وترى الفلسفة الديالكتيكية أن التناقض هو سبب الحركة ، عين ما تراه الفلسفة الغيبية كما سبقت ، بيد أن اللغة تختلف . فالديالكتيكية تُركِّز على الجانب الإيجابي منه وتقول : وجود تناقض بين شيئين ( يعني في مكانين أو زمانين إذا حاولا الاقتراب من بعضهما ) هو السبب الوحيد للحركة .
والفلسفة الغيبية تُركِّز على النقطة ذاتها ( أي امتناع اجتماع نقيضين مختلفين في شيء واحد في مكان واحد وحالة واحدة ) ، وتقول : إنه هو الذي يُسبِّب الحركة .
ولا ينكر صاحب الديالكتيك هذه الحقيقة ولا يُمكنه أن ينكرها ؛ إذ لو أنكر امتناع اجتماع نقيضين في شيء واحد ومكان واحد ، إذًا لما حدثت الحركة ، بل جمدت الحياة ؛ إذ تعيش أجزاؤها المتناقضة في تحابب وتواد .
وهنا ينبغي الالتفات إلى نقطة ، وهي أن الديالكتيكية غيَّرت لفظة العلة إلى لفظة التناقض ، فبدلًا من أن تقول : إن المواد الغذائية تسبب نمو الجسم ، وإن الحركة تسبب صرف المواد في الجسم ؛ تستعمل لفظة التناقض فتقول : تحليل المواد يتناقض مع النمو . ونحن في الفلسفة لا نبحث عن قائمة المصطلحات بل نبحث عن الحقيقة ، وهي تقول لنا : إن كل حركة تحدث بسبب تلاقي شيئين مختلفين في مكان واحد ووقت واحد . وهذا يدعونا إلى الاعتراف بوجود سبب للحركة ، ووجود سبب لسببها ، لأن التلاقي لا يحدث إلَّا بسبب آخر ، وذلك السبب بدوره نتيجة لسبب آخر ، وهكذا . . .
وبهذا نعرف أنه لا يمكن للمادية الديالكتيكية أن تُفسِّر حقيقة الحركة في الكون بمبدأ التناقض ؛ إذ إنه لا يعدو أن يُبيِّن لنا لماذا يتحرك الشيء بعد تلاقيه بنقيضه ، ولكن لا يقول لنا لماذا يتلاقى الشيء بنقيضه .
فالمبدأ الديالكتيكي يُفسِّر لنا حقيقة العلية الموجودة بين الأشياء ، ولا يمكنه أن يُفسِّر وجود العلة . ويكون أشبه شيء بذلك الذي يُسأل عن سبب الخسوف ، فيجيب بأنه يسبب الظلام في ليلة قمراء ، أو يُسأل عن سبب حركة السيارة ، فيجيب عن وجود تناقض بين دفعة المحرك للإطار ودفعة الأرض للإطار إلى أعلى حسب مبدأ أن لكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه .
إن مبدأ الفعل ورد الفعل لا يفسر لنا إلَّا نوعية تسبب الضغط للحركة ، دون سبب
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 113
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٣