نمعن النظر نرى أن كل حركة إنما تحدث بهذا السبب . فالحركة في البيضة تبدأ بنمو أجزائها ، وحين تكبر تضيق البيضة بها فتنفلق .
وهنا نضع أيدينا على رمز عظيم ، هو أن كل حركة تحدث بسبب وجود تناقض ولكن لا بسبب اجتماع نقيضين . وجود تناقض بين المحرِّك والمتحرك ، لا يمكن أن يجتمعا في مكان فيدفع الأقوى الأضعف إلى الخارج . ولكن لا يعني هذا اجتماع نقيضين أي احتواء المكان الواحد للمُحرِّك والمتحرك في مكان وزمان معينين . وبتعبير آخر : هذا تناقض خارجي أي وجود شيئين في مكان كل منهما يقتضي أمرًا مختلفًا عن الآخر . فإذا حاولا التجمع في مكان حدث التناقض ، أي حدث تحكم مبدأ امتناع وجود المتناقضين في مكان فحدثت حركة من هذا الأمر . وهذا أمر متفق عليه من قبل الديالكتيك والميتافيزيقيا ، وهو دليل على أن اللفظ فقط كان الحاجز بين الفلسفتين .
3 - ومبدأ عدم التناقض الذي تبنَّاه الفلاسفة الشكليون يشترط أن يكون الإثبات والنفي في شيء واحد ووقت واحد وحالة واحدة .
ومن الطبيعي - بعد هذا - ألَّا يبقى في الدنيا عاقل يُصحِّح اجتماع النقيضين ويقول : إن المثلث في الوقت الذي له ثلاثة أضلاع فله أيضًا أربعة أضلاع ، وأن أمة اليونان في الوقت الذي كانت موجودة في التاريخ كانت أيضًا معدومة ، وأن الإسلام حقٌّ كله وباطل كله في لحظة ومن جهة واحدة ، وهكذا . . ومن هنا نعلم أنه ليس من التناقض في شيء ، تعارض أجزاء الكون وتنازع أحيائه على البقاء . فالفعل ورد الفعل في الميكانيك ليس بتناقض ؛ لأن زمان الفعل شيء يختلف عن زمان رد الفعل .
صحيح ( أن لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه ) ، ولكن ليس من الصحيح أن هذا تناقض ، إذ إن الفعل يسبق رد الفعل فلا يجتمعان في الزمان . ولأن الفعل يعاكس رد الفعل في الاتجاه فليسا في مكان واحد ، بل كما سبق لو كان التناقض ممكنًا لما كان لكل فعل رد فعل ، إذ إنهما - إذًا - جمدا في مكانهما .
وكذلك الخط السالب والموجب في الكهرباء ليسا متناقضين ، لأنهما :
أولًا : يشغلان خطين مختلفين ومكانين فلا اجتماع في المكان .
ثانيًا : يتحولان إلى الحركة لدى اجتماعهما ولا تتولد الحركة إلَّا دفعة ، ولا يمكن أن تحدث الدفعة إلى الأمام لو لم يضق المكان بهما .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 111
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١١