يَا عُمَرُ ! مَنْ إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي الْبَاطِلِ ، وَإِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنَ الحَقِّ ، وَمَنْ إِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَا لَيْسَ لَهُ .
فَدَعَا عُمَرُ بِدَوَاةٍ فِي قِرْطَاسٍ وَكَتَبَ : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا مَا رَدَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ظُلَامَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَدَك » .
ثانياً : يبدو أن بني أمية كانوا يتجنبون قتل أبناء علي عليه السلام بصورة ظاهرة ؛ للآثار السلبية التي خلفتها عليهم واقعة الطف ، وكان الأئمة بدورهم لا يجدون الظروف مؤاتية للقيام بنهضة دموية . والقصة التالية التي يذكرها الرواة تشهد بذلك ، فبعد أن نازع زيد بن الحسن الإمام الباقر في ميراث رسول الله استنجد بالخليفة الأموي ( عبد الملك بن مروان ) ودخل عليه وقال له :
أَتَيْتُكَ مِنْ عِنْدِ سَاحِرٍ كَذَّابٍ لَا يَحِلُّ لَكَ تَرْكُهُ ، وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى وَكَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى عَامِلِ المَدِينَةِ : أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ مُقَيَّداً ، وَقَالَ لِزَيْدٍ : أَرَأَيْتَكَ إِنْ وَلَّيتُكَ قَتْلَهُ قَتَلْتَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
ولكن عامله على المدينة استدرك الأمر وكتب إلى الخليفة :
إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَرَدْتَهُ لَيْسَ الْيَوْمَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَعَفَّ مِنْهُ وَلَا أَزْهَدَ وَلَا أَوْرَعَ مِنْهُ ، وَإِنَّهُ لَيَقْرَأُ فِي مِحْرَابِهِ فَيَجْتَمِعُ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ تَعَجُّباً لِصَوْتِهِ ، وَإِنَّ قِرَاءَتَهُ كَشِبْهِ مَزَامِيرِ دَاوُدَ ، وَإِنَّهُ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ وَأَرَقِّ النَّاسِ وَأَشَدِّ النَّاسِ اجْتِهَاداً وَعِبَادَةً ، وَكَرِهْتُ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ التَّعَرُّضَ لَهُ
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ .
وهكذا تراجع عبد الملك مما بدر منه . وبعد أن اكتشف كذب زيد بن الحسن أخذه وقيَّده وهيَّأه ،
وقال له : لَوْلَا أَنِّي أُرِيدُ لَا أُبْتَلَى بِدَمِ أَحَدٍ مِنْكُمْ لَقَتَلْتُكَ . ثم كتب إلى الإمام الباقر عليه السلام : بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِابْنِ عَمِّكَ فَأَحْسِنْ أَدَبَه
« 1 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 46 ، ص 329 - 331 ، باختصار .