رابعاً : خروج الإمام إلى الشام .
إن حادثة استدعاء هشام بن عبد الملك الإمام الباقر عليه السلام من المدينة إلى الشام ، تكشف عن طبيعة علاقة الإمام بالسلطة السياسية ، وما كان يُعانيه منها ، وكيف كان يتحداها . ونحن إذ نثبت نصًّا تاريخيًّا فيها ندع للقارئ فرصة التأمل فيها ، على أن النصوص مختلفة في تفاصيل هذه الواقعة ، وإنما نذكر أكثرها تفصيلًا بإذن الله .
وقد حَجَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ ، وَكَانَ قَدْ حَجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ وَابْنُهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عليهما السلام . وقال الإمام الصادق عليه السلام : « الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالحَقِّ نَبِيًّا ، وَأَكْرَمَنَا بِهِ ، فَنَحْنُ صَفْوَةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَخِيَرَتُهُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَخُلَفَاؤُهُ ، فَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّبَعَنَا وَالشَّقِيُّ مَنْ عَادَانَا وَخَالَفَنَا .
ثُمَّ قَالَ : فَأَخْبَرَ مَسْلَمَةُ أَخَاهُ بِمَا سَمِعَ فَلَمْ يَعْرِضْ لَنَا حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى دِمَشْقَ وَانْصَرَفْنَا إِلَى المَدِينَةِ فَأَنْفَذَ بَرِيداً إِلَى عَامِلِ المَدِينَةِ بِإِشْخَاصِ أَبِي وَإِشْخَاصِي مَعَهُ ، فَأَشْخَصَنَا ، فَلَمَّا وَرَدْنَا مَدِينَةَ دِمَشْقَ حَجَبَنَا ثَلَاثاً ثُمَّ أَذِنَ لَنَا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ ، فَدَخَلْنَا وَإِذَا قَدْ قَعَدَ عَلَى سَرِيرِ المُلْكِ وَجُنْدُهُ وَخَاصَّتُهُ وُقُوفٌ عَلَى أَرْجُلِهِمْ سِمَاطَانِ مُتَسَلِّحَانِ ، وَقَدْ نُصِبَ الْبُرْجَاسُ حِذَاهُ ، وَأَشْيَاخُ قَوْمِهِ يَرْمُونَ ، فَلَمَّا دَخَلْنَا وَأَبِي أَمَامِي وَأَنَا خَلْفَهُ فَنَادَى أَبِي وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ! ارْمِ مَعَ أَشْيَاخِ قَوْمِكَ الْغَرَضَ .
فَقَالَ لَهُ : إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ عَنِ الرَّمْيِ فَهَلْ رَأَيْتَ أَنْ تُعْفِيَنِي .
فَقَالَ : وَحَقِّ مَنْ أَعَزَّنَا بِدِينِهِ وَنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله لَا أُعْفِيكَ . ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى شَيْخٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ : أَنْ أَعْطِهِ قَوْسَكَ ، فَتَنَاوَلَ أَبِي عِنْدَ ذَلِكَ قَوْسَ الشَّيْخِ
الإمام الباقر (ع) قدوة وأسوة — صفحة 54
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٤