هَذِهِ الصَّارِخَةُ فَقَالَ لَهَا : لَتَسْكُتِنَّ أَوْ لَنَرْجِعَنَّ ، فَلَمْ تَسْكُتْ ، فَرَجَعَ ، فَقَالَ : امْضِ بِنَا ، فَلَوْ أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا شَيْئاً مِنَ الْبَاطِلِ مَعَ الْحَقِّ تَرَكْنَا لَهُ الْحَقَّ لَمْ نَقْضِ حَقَّ مُسْلِمٍ . قَالَ : فَلَمَّا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ ، قَالَ وَلِيُّهَا لِأَبِي جَعْفَرٍ : ارْجِعْ مَأْجُوراً رَحِمَكَ اللهُ ؛ فَإِنَّكَ لَا تَقْوَى عَلَى المَشْيِ . فَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ ، قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الرُّجُوعِ وَلِي حَاجَةٌ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ : امْضِ فَلَيْسَ بِإِذْنِهِ جِئْنَا وَلَا بِإِذْنِهِ نَرْجِعُ ، إِنَّمَا هُوَفَضْلٌ وَأَجْرٌ طَلَبْنَاهُ ، فَبِقَدْرِ مَا يَتْبَعُ الْجَنَازَةَ الرَّجُلُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِك »
« 1 » .
أما معاشرته لإخوانه فقد كانت غاية في الأدب ، فمثلًا يحكي أبو عبيدة عن آداب عشرته في السفر فيقول :
« كُنْتُ زَمِيلَ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام ، وَكُنْتُ أَبْدَأُ بِالرُّكُوبِ ثُمَّ يَرْكَبُ هُوَ ، فَإِذَا اسْتَوَيْنَا سَلَّمَ وَسَاءَلَ مُسَاءَلَةَ رَجُلٍ لَا عَهْدَ لَهُ بِصَاحِبِهِ وَصَافَحَ . قَالَ : وَكَانَ إِذَا نَزَلَ نَزَلَ قَبْلي فَإِذَا اسْتَوَيْتُ أَنَا وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ سَلَّمَ وَسَاءَلَ مُسَاءَلَةَ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ بِصَاحِبِهِ ، فَقُلْتُ : يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ ! إِنَّكَ لَتَفْعَلُ شَيْئاً مَا يَفْعَلُهُ مَنْ قِبَلَنَا وَإِنْ فَعَلَ مَرَّةً لَكَثِيرٌ ، فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتَ مَا فِي المُصَافَحَةِ ، إِنَّ المُؤْمِنَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيُصَافِحُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَمَا تَزَالُ الذُّنُوبُ تَتَحَاتُّ عَنْهُمَا كَمَا يَتَحَاتُّ الْوَرَقُ عَنِ الشَّجَرِ وَاللهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا حَتَّى يَفْتَرِقَان »
« 2 » .
وكان في تعامله مع الناس برًّا عفيفاً ، وكان يعفو عن السيئة أنَّى استطاع إلى ذلك سبيلًا ، وكان لذلك أطيب الأثر في نفوس الناس ، فقد
قَالَ لَهُ نَصْرَانِيٌّ يوماً : أَنْتَ بَقَرٌ ، قَالَ : لَا ، أَنَا بَاقِرٌ . قَالَ : أَنْتَ ابْنُ الطَّبَّاخَةِ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 46 ، ص 301 .
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 46 ، ص 302 .