لرجوع الخلافة إلى أبناء علي عليه السلام ولكن شاء القدر باستشهاد الإمام الرضا عليه السلام قبل موت المأمون .
وعلى أي حال فإن الإمام الصادق عليه السلام خلق جوًّا صالحاً للثورة في هذه السنوات التي تولى فيها إمامة المسلمين بعد أبيه عليه السلام .
ومن الطبيعي ألَّا تتركه السلطات هادئاً يمشي في طريقه المرسوم وإن كان لا يعارضهم معارضة مباشرة ؛ لأن مقاطعته للعباسيين كانت لهم نذير سوء ، ومثيرة لسخطهم البالغ عليه ، وعنفهم الشديد ضده .
فقد دعاه المنصور ليسير في ركابه كما سار غيره من أئمة الجور . حيث أرسل إليه يقول : لِمَ لَا تَغْشَانَا كَمَا يَغْشَانَا سَائِرُ النَّاسِ ؟
فَأَجَابَهُ الإمام عليه السلام : «
لَيْسَ لَنَا مَا نَخَافُكَ مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَا عِنْدَكَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ مَا نَرْجُوكَ لَهُ ، وَلَا أَنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَنُهَنِّئَكَ ، وَلَا تَرَاهَا نَقِمَةً فَنُعَزِّيَكَ بِهَا ؛ فَمَا نَصْنَعُ عِنْدَكَ ؟ » .
فَكَتَبَ إِلَيْه المنصور : تَصْحَبُنَا لِتَنْصَحَنَا .
فَأَجَابَهُ عليه السلام : «
مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا لَا يَنْصَحُكَ ، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ لَا يَصْحَبُكَ » .
فَقَالَ المَنْصُورُ : وَاللهِ لَقَدْ مَيَّزَ عِنْدِي مَنَازِلَ النَّاسِ : مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا مِمَّنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ، وَإِنَّهُ مِمَّنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ لَا الدُّنْيَا « 1 » .
والآن حيث انتهيت من وضع الخطوط العريضة لسياسة الإمام الصادق عليه السلام مع السلطات المعاصرة ينبغي لي أن أشير إلى بعض
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 47 ، ص 184 .