أهل البصرة ضد الخليفة الثالث ، ويُحرِّضهم على قتله ، يأتي بنفسه إلى البصرة وينادي مناديه : « من كان فيهم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا به » فجيء بهم فقتلوا ولم ينجُ منهم إلَّا قليل .
بالأمس كان يقودهم ، واليوم ينقلب عليهم ويقتلهم . أوليس هذا غريبًا ؟ بَلَى ، ولكن طلحة كان بالأمس قائدًا ، وأصبح اليوم رقمًا في حسابات بني أمية ، وأضحى يُصفِّي حزبه بنفسه .
ولم يكن يشك أمير المؤمنين في وجوب قتالهم ؛ لأنه كان يعرف طبيعتهم وأهدافهم الخبيثة ، ولأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قد أخبره بمسيره إليهم ، وأنه سوف يقتل الناكثين . نعم ، إنه لاقى صعوبة حقيقية في توعية الناس ، ولولا أهل البصائر من المهاجرين والأنصار الذين نهضوا معه ضد الفئة الناكثة ، وآزروه ونصروه بالقوة ذاتها التي آزروا بها رسول الله صلى الله عليه وآله ؛ لكانت قريش بمكائدها وقوّتها وعصبياتها تُشكِّل خطرًا حقيقيًّا ضد بقاء الإسلام .
ولقد استنهض الإمام عليه السلام جيش الكوفة الذين فتحوا بلاد فارس ، ثم استقروا هناك يحمون ثغور الإسلام ويبعثون بالسرايا لفتح المزيد من البلاد ، وإنما اختارهم لعلمه بوجود أهل البصائر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله والفقهاء والقُرَّاء بينهم . ولقد قال لهم حين التقى بهم في منطقة ذي قار :
« يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ! إِنَّكُمْ مِنْ أَكْرَمِ المُسْلِمِينَ وَأَقْصَدِهِمْ تَقْوِيمًا ، وَأَعْدَلِهِمْ سُنَّةً ، وَأَفْضَلِهِمْ سَهْمًا فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَجْوَدِهِمْ فِي الْعَرَبِ مَرْكَبًا وَنِصَابًا ، أَنْتُمْ أَشَدُّ الْعَرَبِ وُدًّا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وَأَهْلِ بَيْتِهِ عليهم السلام ، وَإِنَّمَا جِئْتُكُمْ ثِقَةً - بَعْدَ اللهِ - بِكُمْ لِلَّذِي بَذَلْتُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عِنْدَ نَقْضِ طَلْحَةَ
الإمام علي (ع) قدوة وأسوة — صفحة 91
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩١