إنهم كانوا أكبر قوة سياسية في الجزيرة ، وكان الرسول قد احتواهم ، لعلهم يؤوبون إلى رشدهم ، ويُكيِّفون أنفسهم مع الواقع الجديد ، أو تقوى شوكة الإسلام فتقضي عليهم في الوقت المناسب . وها قد حان ذلك الوقت ، فإنهم ليس فقط لم يُذوِّبوا أنفسهم في بوتقة المجتمع الإسلامي ، بل ما فتئوا يُدبِّرون المؤامرات ضد القوى الرسالية ، ويتحيَّنون الفرص للانقضاض على السلطة .
ومن هنا نجد الإمام عليًّا عليه السلام يبدأ عهده بالهجوم على بني أمية وامتيازاتهم التي ابتزُّوها من الخليفة السابق .
ويروى عن ابن عباس أن عليًّا خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة فقال :
« أَلَا وَإِنَّ كُلَّ قَطِيعَةٍ أَقْطَعَهَا عُثْمَانُ ، أَوْ مَالٍ أَخَذَهُ مِنْ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ ؛ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ فِي بَيْتِ مَالِهِمْ ، وَلَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ ، وَفُرِّقَ فِي الْبُلْدَانِ . فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسَعْهُ الحَقُّ فَالْبَاطِلُ أَضْيَقُ عَلَيْه » « 1 »
. وعزل الإمام عُمَّال الخليفة السابق وهم حكام الولايات الإسلامية ، وأصرَّ على عزل معاوية ، قائد الحزب الأموي السياسي والعسكري ، والذي كان يرضى من الإمام إبقاءه على الشام كما فعل السابقون ، لعله يجد فرصة أخرى لتحقيق هدف حزبه في السلطة .
لقد كانت تلك أعظم مسؤوليات الإمام عليه السلام إذ عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وآله تكميل ما بدأه من تصفية القوى الجاهلية وبقاياها ، وقال له مرة :
« تُقَاتِلُهُمْ عَلَى تَأْوِيْلِهِ ، كَمَا قَاتَلْنَاهُمْ عَلَى تَنْزِيْلِهِ »
. وإن أهل البصائر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله واعون تمامًا لهذه
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 32 ، ص 14 .