فَاطَّرَحْتُمْ قَوْلَ نَبِيِّكُمْ وَتَنَاسَيْتُمْ مَا عَهِدَ بِهِ إِلَيْكُمْ ، فَأَطَعْتُمُ الدُّنْيَا الْفَانِيَةَ ، وَبِعْتُمُ الْآخِرَةَ الْبَاقِيَةَ ، الَّتِي لَا يَهْرَمُ شَبَابُهَا ، وَلَا يَزُولُ نَعِيمُهَا ، وَلَا يَحْزَنُ أَهْلُهَا ، وَلَا تَمُوتُ سُكَّانُهَا ؛ بِالْحَقِيرِ التَّافِهِ الْفَانِي الزَّائِلِ ، وَكَذَلِكَ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ كَفَرَتْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهَا وَنَكَصَتْ عَلَى أَعْقَابِهَا وَغَيَّرَتْ وَبَدَّلَتْ وَاخْتَلَفَتْ ، فَسَاوَيْتُمُوهُمْ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَالْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ ، وَعَمَّا قَلِيلٍ تَذُوقُونَ وَبَالَ أَمْرِكُمْ وَتُجْزَوْنَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ، وَمَا اللهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ .
4 - ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَقَالَ : ارْجِعْ يَا أَبَا بَكْرٍ عَنْ ظُلْمِكَ ، وَتُبْ إِلَى رَبِّكَ ، وَالْزَمْ بَيْتَكَ ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ ، وَسَلِّمِ الْأَمْرَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ ؛ فَقَدْ عَلِمْتَ مَا عَقَدَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله فِي عُنُقِكَ مِنْ بَيْعَتِهِ ، وَأَلْزَمَكَ مِنَ النُّفُوذِ تَحْتَ رَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ مَوْلَاهُ ، وَنَبَّهَ عَلَى بُطْلَانِ وُجُوبِ هَذَا الْأَمْرِ لَكَ وَلِمَنْ عَضَدَكَ عَلَيْهِ ، بِضَمِّهِ لَكُمَا إِلَى عَلَمِ النِّفَاقِ وَمَعْدِنِ الشَّنَآنِ وَالشِّقَاقِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ « 1 » ؛ فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَمْرٍو ، وَهُوَ كَانَ أَمِيرًا عَلَيْكُمَا وَعَلَى سَائِرِ المُنَافِقِينَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله فِي غَزَاةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ « 2 » وَأَنَّ عَمْرًا قَلَّدَكُمَا حَرْسَ عَسْكَرِهِ فَمِنَ الحَرْسِ إِلَى الْخِلَافَةِ ، اتَّقِ اللهَ وَبَادِرِ الِاسْتِقَالَةَ قَبْلَ فَوْتِهَا فَإِنَ ذَلِكَ أَسْلَمُ لَكَ فِي حَيَاتِكَ وَبَعْدَ وَفَاتِكَ ، وَلَا تَرْكَنْ إِلَى
هامش
( 1 ) سورة الكَوثَر ، الآية : 3 .
( 2 ) البلاذري ( 1 / 380 ) . وفي السِّيَر أن رسول الله بعث عمرو بن العاص أولًا ثم بعث أبا عبيدة مَدَدًا له وفيهم أبو بكر وعمر فاجتمعوا تحت قيادة عمرو ، راجع سيرة ابن هشام ( ج 2 ، ص 632 ) ، أسد الغابة ( ج 4 ، ص 116 ) ترجمة عمرو بن العاص منتخب كنز العمال ( ج 4 ص 178 ) ، تاريخ الطبري ( ج 3 ص 32 ) ، ولعمرو بن العاص ترجمة إضافية من شتى نواحي البحث تراها في كتاب الغدير : ( ج 2 ، ص 120 - 176 ) .