أمامه الكوفة المخلوعة المغلوبة على أمرها ، ووراءه مكة المحتشدة فيها قوى مناوئيه من أنصار بني أمية وغيرهم .
ومعه الآن زهاء ألف من الأنصار ، أشد ما يكون احتياجاً إلى الإبقاء عليهم بكل وسيلة .
لكنه أبى إلَّا أن يُصارحهم بالموضوع ، ويُبَيِّنَ لهم سقوط حكومته في الكوفة ، وحرج موقفه ، ويُجيز لهم التخلِّي عنه إن شاؤوا .
استمعوا إلى خطبته حينما سمع بسقوط الكوفة في أيدي بني أمية : «
أَيُّهَا النَّاسُ ! إِنَّمَا جَمَعْتُكُمْ عَلَىْ أَنَّ العِرَاقَ لِيْ ، وَقَدْ أَتَانِيْ خَبَرٌ فَظِيْعٌ عَنْ ابْنِ عَمِّيْ مُسْلِمٍ يَدُلُّ عَلَىْ أَنَّ شِيْعَتَنَا قَدْ خَذَلَتْنَا . فَمَنْ مِنْكُمْ يَصْبِرُ عَلَىْ حَرِّ السُّيُوْفِ ، وَطَعْنِ الأَسِنَّةِ فَلْيَأْتِ مَعَنَا ، وَإِلَّا فَلْيَنْصَرِفْ عَنَّا
» « 1 » .
إنه لا يبتغي من وراء نهضته سوى الله . وإذاً فليعمل كما يريد الله صريحاً واضحاً فلا يخدع ولا يمكر .
وهنا ندع التاريخ يقصُّ علينا عن أنصار يزيد قصتين أيضاً :
1 - طلب ابنُ زياد الزعيمَ الشيعيَّ الآنف الذكر هاني بن عروة ليتفاوض معه في بعض الشؤون . واغترَّ الرجل وذهب إلى قصر الإمارة ، فلما دخله أخذوه وعذبوه ثم قتلوه ، في حين أنهم أعطوه الأيمان والمواثيق قبل قدومه القصر بأنه لا يمسُّه سوء منهم .
2 - وحشدت شيعة علي عليه السلام أمرها وجاءت تحاصر قصر الإمارة تريد إنقاذ هانئٍ الذي خدعوه ومكروا به ، ولم يكن إذ ذاك على قيد الحياة .
هامش
( 1 ) بلاغة الإمام الحسين عليه السلام : ( ص 69 ) .