فمثلا ، يعلم الواحد منا وجود علاقة بين عشرة من الناس وبين البياض ولكنه يعبر عن هذه العلاقة بأكثر من حجمها فيقول : كل إنسان أبيض ، ويرجع الفضل في هذا التعميم إلى ضعف قدرة الفرد على التعبير . إذ إنه حين يسأل كيف عبرت عن عشرة بالكل يقول : أليس معنى الكل ( عشرة ) ؟
لذلك وجب أن نهتم في جعل صيغة القوانين مطابقة لحجم معارفنا عنها حتى لا ندخل في التعبير أكثر مما نعلمه يقينا ، وحين نجد في كثير من الكتب العلمية الحديثة أو القديمة تدقيقات في ( معنى ) الألفاظ ، خصوصا تلك الألفاظ المستخدمة في العلوم الطبيعية فإنه اتجاه صحيح ، الهدف منه الدقة في التعبير عن القوانين . كما أن الدعوة الحديثة التي أخذت تنصحنا إلى ترويض العلوم جميعها - أي جعلها تتبع لغة الرموز تماما كما تفعل الرياضيات - هذه الفكرة إنما نشأت بسبب الصعوبات التي يجدها الباحثون في التعبير عن القوانين ، حيث إن الألفاظ قد تخون ولا تقدر على ( ضبط ) المعلومات بالدقة الكافية . من هنا وجب على الباحث ان يكون دقيقا في صياغة القوانين ، التي يتوصل إليها حتى لا تعبر الا عن مقدار المعلومات وحدودها بالضبط ويمكن ذلك باتباع التعاليم التالية :
* لا بد من اتضاح الفكرة وبلورتها في الذهن ، بحيث يستشعر الباحث نفسه بحدود فكرته وأبعادها ، ويتم هذا النضج عادة عندما يقدر الباحث توضيح الفكرة بدون عناء للآخرين ، إذ قد يزعم الفرد ان معرفته بمواضيع ناضجة ، ولكنه يكتشف غير ذلك فور ما يسعى لشرح الموضوع للآخرين .
* اعتماد الأرقام والبيانات والنسب في التعبير عن الحقيقة ، حيث إنها تضع الباحث على مقربة من الواقع . فمثلا ، لو قلنا : ثلاثة من كل عشرة من أهل الكويت هم من أصل سعودي كنا أقرب إلى التعبير عن الحقيقة ، لو رسمنا خطا قصيرا وإلى جانبه خط طويل للبيان عن نسبة السعوديين في أهل الكويت . وهذا بدوره أضبط مما لو قلنا أقل من نصف أهل الكويت من أصل سعودي . وهو كذلك أضبط من القول إن بعض أهل الكويت من أصل سعودي .
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 459
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٥٩