الوجود الرحب : انَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الانسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًا ( الأحزاب / 72 ) . لقد سجد الجميع للانسان إلا إبليس ؛ أبى عن أن ينصاع للأمر الإلهي المقدس ، واستكبر على السجود وطاعة الانسان ؛ الانسان الذي هو خليفة خالقه في أرضه .
إن الانسان الذي تفوق على الجميع ، حين قبوله تحمل أمانة المسؤولية الكبرى ، أصبح الجميع طوع اختياره إلا طرف واحد يقف على النقيض منه ، وهو إبليس وجنوده . فهذا الكائن الشيطاني أصبح موكلا - بتمرده - باضطهاد قلب الانسان ، فهو قرين النفس الأمارة بالسوء . فكان لابد على الانسان أن يقاوم هذا العداء ، وهذا العدوان ، وينتصر عليه خير انتصار .
أصبح الانسان على اطلاع كامل بأن قابلياته المخلوقة فيه قادرة على تسخير كل شيء ؛ قوة الشمس والرياح والذرة والنفط والجبال والبحار . . ولكنه ينبغي أن يحذر أمراً واحداً وهو إبليس المتعرض له في الطريق . وعليه أن يسخره أيضاً بواسطة الحذر من أن يتمكن من سلب قابلياته ، وحريته في استخدام هذه القابليات .
إن القرآن كله عبارة عن هتاف عال موجه إلى الانسان ؛ الانسان فحسب ، يقول بأن الانسان كائن حر مسؤول ، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( الانسان / 3 ) وفَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ( الزلزلة / 7 - 8 ) وغير ذلك مما يجسّد ويصوّر حقيقة شرك من يعتقد بقاهرية الاقتصاد والجنس والطبيعة والاجتماع .
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 224
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٢٤