إنهم تهربوا من الاعتراف بخطئهم الفادح هذا ، حينما سئلوا عن العلة في أن يأمرهم الله سبحانه وتعالى وينهاهم ويحمّلهم التكاليف الشرعية والأخلاقية ؛ هذا فضلًا عما يلزمهم العرف والمجتمع بالتزامات متفق عليها .
ومن الملاحظ ؛ أن الجاهلية الغربية الحديثة بكل مدارسها تقول أيضاً بالحتمية ، وهي تعبير آخر عن ( الجبر ) . ومثال ذلك قول الماركسية المادية بحتمية الصراع الطبقي ، وكذلك الحال بالنسبة للمذهب الاجتماعي الذي بنيت عليه الديمقراطية الغربية الحاكمة ، حيث يؤكد هذا المذهب حتمية تأثير القوانين الاجتماعية على حركة الانسان . وهناك المذهب الجنسي القائل بحتمية انصياع حركة الفرد إلى ما تمليه عليه احتياجاته الجنسية .
إن هذه المذاهب وغيرها من المذاهب الحديثة يتفق جميعها على الحتمية ، وعلى أن الانسان كائن عاجز ؛ لا حول له ولا قوة . ولكنها تختلف فيما يسيطر على هذا الكائن ؛ فبعض يقول المجتمع ، وبعض يقول الاقتصاد ووسائل الانتاج ، وبعض يقول العقد النفسية ، وبعض يؤكد على الحركة التأريخية ودوراتها .
إذاً ، فالانسان في متاهة النظريات هذه لا يعدو أن يكون أكثر من عربة يحركها سائقها ، فهي تسير كما يشاء القائد ولا إختيار لها بالمرة . هذه هي نهاية مبلغ الفلسفة البشرية .
أما رسالات الله فتؤكد على أن الانسان كائن حر في تصرفاته ، ومسؤول عن مصيره . وأستطيع في هذا المجال الجزم بأن أحد أهم أبعاد الشرك بالله العلي العظيم هو الاعتقاد بحتمية تفوق العوامل الأرضية على الانسان ، وبالتالي القول بحتمية وجود فاصلة بين الانسان وربه الخالق .
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 222
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٢٢