تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣

الرب القاهر . . والانسان الحر . .

إن الكثير من الناس يتصورون بأن السلطات الظالمة عامل قاهر لا يستطيعون تجاوزه أبداً ، ولأنهم كانوا يزعمون بقاهرية السلطة والسلالة الحاكمة فقد رفعوها إلى مصافّ الإله ، أو استعاضوا بها عن الإله . وقد عمد البعض إلى الخنوع والخضوع لتصورات خرافية أخرى ، حيث اعتقدوا بقاهرية الظواهر الطبيعية والموجودات الفضائية من قبيل النجوم والشمس والقمر ، حتى رفعوها إلى مستوى الرب الجليل . فجاء القرآن الكريم نافيا بالدليل القاطع كل تلك التصورات الخاطئة ؛ مؤكداً في الوقت ذاته بأن الله " هو القاهر فوق عباده " ، وهو مصدر الوجود ومنبع الخيرات ، وهو الذي زوّد الانسان بالحرية والاستطاعة . . مشيرا في غير آية مباركة إلى أن الله الذي أنعم على الانسان بالقابليات العديدة ، جعله حرياً بأن يستفيد من الحرية الممنوحة له ، وأن يستثمر هذه الاستطاعة في تسخير العالم لمصلحته ؛ إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر . ونطالع في قصة آدم عليه السلام والأمر الإلهي المقدس القاضي بسجود الملائكة له وإطاعته إشارات واضحة إلى ما أنعم الله به عليه ، باعتباره أباً للبشرية . لقد انصاع الملائكة كلهم لهذا الأمر إلّا إبليس - لعنه الله - . ومن المعلوم إن إبليس لم يكن من جنس الملائكة ؛ ولكن الله استثناه منهم - رغم إن هذا الاستثناء وهذا التجريد مخالف في ظاهره لأصول علم اللغة واستخداماتها - لنكون على اطلاع بأن المقصود أن جميع الوجود قد سجد لآدم والانسان ، لأنه الكائن الوحيد الذي قبل باختياره حمل الأمانة والمسؤولية في تحكيم الإرادة الإلهية في
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 223 | السيد محمد تقي المدرسي