تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
إن الفكرة القائلة بقدم القدر والقضاء وأنهما من ذات الله سبحانه ، فكرة تنتهي إلى القول بالجبر . والجبر ينتهي إلى استحالة المسؤولية والتهرب أو الهروب منها ، فضلا عن تفنيد قانون الجزاء والثواب والعقاب ، وبالتالي ظلم الله لعباده . وهذا القول بعيد عن شرع الله ، وفطرة وعقل الانسان . اما القول بحدوث القدر والقضاء - وهو مفهوم ومنطوق الشريعة الاسلامية - فمنبعه القول بالقدرة الإلهية التي أوجدت هذا الانسان من التراب وستعيده إليه مرة أخرى . وهومفهوم ومنطوق قوله تعالى : إِنَّا لِلّهِ وإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( البقرة / 156 ) فالله سبحانه هو الذي خلقنا وملكنا ونحن اليه عائدون . ونحن بين الخلق والعود أحرار بالقدرة الربانية التي تمدنا بأسباب الحياة ، وتُهيء لنا فرص إثبات الوجود وجدارة استحقاق الدخول إلى الجنة التي هي مصداق العدالة والرحمة الإلهية . فالله جل جلاله ليس ينبوعاً يخرج الماء منه فلا يعود اليه ، بل الحكمة ذاته والعدل ذاته والعلم ذاته ، وحاشاه ان يخلق الانسان فيقضي عليه بالشقاء الدنيوي ثم يدخله نارا في الآخرة . فهو لارغبة لديه في تعذيب أحد أبداً . وذهبت فئة أخرى إلى نفي القدر والقضاء مرة واحدة ، وقال أتباع هذه الفلسفة بأن الله قد خلق الكون وتركه لشأنه . ومنهم من عزا ذلك إلى أن الله يتعالى عن التدخل في شؤون المخلوقات ، بل هو عاجز عن التدخل بسبب الفاصلة غير القابلة للتصور بين عظمة ذاته وبين حقارة الكون والمخلوقات . في حين بررّ آخرون القول بنفي القدر والقضاء بأن الله خلق الخلق ضمن قانون آلي - ميكانيكي - مثل ما يصنع صانع الساعات الساعة ، فهو يصنع آلاتها ثم يركب هذه الآلات ثم
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 216 | السيد محمد تقي المدرسي