تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
يشحنها بالطاقة ثم يتركها لشأنها تعمل وتعمل حتى تنفذ طاقتها . ونفي القدر والقضاء هذا كان يسمى في المنطق القديم ( التفويض ) . وبين الجبر والتفويض لا يزال الاسلام يؤكد حقيقة أخرى ؛ حقيقة صادرة عن الخالق نفسه ، وهي في الوقت ذاته تتلاءم والفطرة الانسانية النزيهة . تشير الشريعة السمحاء إلى أن الله رسم خريطة الكون من حيث التقدير ؛ وللانسان حرية انتخاب الطريق الذي يرتئيه لنفسه للسير ضمن هذه الخريطة . فالله تعالى أنبأ هذا المخلوق بحتمية وجود يوم القيامة ؛ اليوم الذي لا يعلم ميقاته إلّا الله ، والله نفسه بيّن للانسان طرق الملتقى حتى ذلك اليوم . فالانسان ليس كالساعة ، إذ من الحمق تشبيهه بالآلة ، وهو ليس سجيناً ، إذ من الظلم نسبة الظلم إلى الله . ولقد لعن نبي الاسلام محمد صلى الله عليه وآله قدرية هذه الأمة واعتبرهم كاليهود ، والمقصود هنا : القدرية بالمعنيين : الجبر والتفويض . فالقدرية اصطلاح يعم من قال بجمود القدر ومن قال بفوضويته . وسواء قال الانسان بالجبر أو قال بالتفويض فالنتيجة واحدة ، وهي تجرده عن إنسانيته ومسؤوليته . فمن يذهب إلى الجبر يؤكد بأن الله هو المسؤول عن أعمالنا ؛ لأنه هو الذي يحركنا . ومن يذهب إلى التفويض يؤكد بأن لا شأن لله في خلقه ، وبالتالي وقوف هذا المخلوق حائراً متسائلًا عن سبب وجوده والى أية نقطة يسير ؟ ! أما الايمان بالقضاء والقدر فهو دافع إلى الايمان بوجود شريعة لله والى الالتزام بها ، كما هو دافع إلى الايمان بقدرة الله على أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 217 | السيد محمد تقي المدرسي