وقال المشائيون : القضاء والقدر ؛ هو الصور الكلية القائمة بالعقل بنحو الارتسام ، والصور الجزئية القائمة بالنفس الجزئية المنطبعة الفلكية هي الصور القدرية . . .
من هنا يتبين أن الفلسفة البشرية البعيدة كل البعد عما وضحه القرآن الكريم ، وبينته السنة المطهرة ، تعتقد بأن القدر والقضاء مرحلتان من مراحل علم الله سبحانه وتعالى ، ولان علم الله قديم فالقدر والقضاء قديمان ؛ وإذا كانا قديمين فينبغي أن يكون ما وراءهما قديما أيضا .
لقد أوضحنا فيما سلف أن مشكلة الفلسفة البشرية أنها لم تستطع أن تفهم العلاقة بين الخالق والمخلوق ؛ بين ما يسمى بالقديم وبين ما يسمى بالحادث ، تماماً كما هو شأنها إزاء موضوع البداء والإرادة الإلهية ، وباقي الموضوعات الخاصة بهذا الشأن ، حيث تذهب أغلبية التصورات البشرية بأن جميع ما يتعلق بالله جل ثناؤه لابد وأن يأخذ الطابع الأزلي القديم ، رغم التفاوت الكبير بين مثل هذا الاعتقاد وبين ما فطر الله الناس عليه ، فضلا عن تعاليم القرآن المجيد وروايات الرسول صلى الله عليه وآله وأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين هم معدن العلم الإلهي المجيد .
والاعتقاد بان مجرد علم الله هو القضاء والقدر يعني أن القضاء والقدر ليس خلقاً جديداً من خلق الله ، ومعنى ذلك أنه لا تبديل لقضاء الله ولقدره لأنهما من ذات الله وذات الله لا يتغير .
ولكن مثل هذا الاعتقاد الجاف يتسبب للبشرية كلها في خلق مشكلة كبرى للغاية تتمثل في العيش - كمرحلة أولى - دون التطلع إلى أدنى بصيص نور من
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 213
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢١٣