تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢

ثانياً : التطلّع

والمؤمن بالبداء يرى الحياة مهرجاناً من الحركة والحيوية والتطور والتعامل ، إنه يرى أمامه آفاقاً لا يبصر نهايتها ، آفاقاً من القدرة على التقدم والرقي ، وهكذا يثار في نفسه فطرة التطلع التي جبل عليها ، ويدغدغ ذلك الأمل الذي جعل وقود التكامل في ضمير البشر ؛ أمل الملك والهيمنة ، أمل المثل والأخلاق ، أمل النمو والرفعة . . وبكلمة أمل لقاء الحي القيوم والقرب منه . والمثول بحضرته في مقعد صدق عند مليك مقتدر . وهذا التطلع هو وجدان كل انسان ، وهو روح كل حضارة ، وهو بذرة كل تقدم عند البشر . وبالرغم من كل الوساوس الشيطانية التي تحاول أن ترسم صورة جامدة للوجود امام الانسان ، ترسم صورة رتيبة لاتطور فيها ولا تسامي ، صورة مغلقة لا انطلاق فيها ولا حيوية . بالرغم من هذه الوساوس التي يبثها الفكر الفلسفي الجامد في روع البشر منذ آلاف السنين ، إلا أن ذلك الزخم الكبير الذي يولده تطلع البشر يدفعه إلى التكامل . وهو يرى أن العالم ليس - كما يزعم البعض - زمهريراً من الجمود ، وصقيعاً متراكماً من الحتميات والقيود . . إنه كما أشعة الصباح ، ونسيم الربيع ، وغناء البلابل ، وتيار الأنهر ، وحيوية البراعم . . إنه دفء وحركة ونمو وتحول وتدفق . تعالوا نقرء قصص القرآن المضيئة من جديد . تعالوا نقرء مثلًا سورة " ص " وكل سور القرآن وآياته متشابهة ، ففي هذه السورة نقرء قصة داود الذي سخر الله له الجبال ، وجعل الطير محشورة كل له أواب ، وآتاه ملكاً وحكمة وفصل خطاب . . وبعد أن امتحنه جعله خليفة في الأرض ثم قال : وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى