ولكن الله اعطى لسليمان الذي عبد الله وعظمه أعطاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، وسخر له الريح ، وعلّمه منطق الطير ، وكان عنده من حمل اليه عرش ملكة سبأ من اليمن إلى كنعان في طرفة عين . كل ذلك لأنّه عبد الله ولم يخضع للطبيعة . وقال الله عنه : قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا له الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِه رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ( ص / 35 - 36 )
إنك تجد سليمان يستغفر الله ، فيتوب عليه ربه ، فيدعوه ويستجيب الله له . ولو كان سليمان - إذ فُتِن - سقط في هوة القنوط وزعم أنه من أهل النار ، وقد قدر له أن يكون كذلك إلى الأبد ، فإنه لم يتب ولم يغفر له . ولكنه حلق بوعي البداء ، ووعي قدرة الله . وان رحمته تسبق غضبه وان قضاءه يغلب قدرته ، وانه يتوب عن المذنب . وبالتالي إن من الممكن أن يصلح الانسان نفسه بعد الفساد ، حلق بهذه البصيرة حتى نال ليس الصلاح وحده وانما الملك الكبير .
ونتساءل : لماذا بعد الاحساس بالذنب وبعد الاستغفار ، سأل سليمان الملك الكبير من ربه ؟ قد يكون الجواب ان الانسان بعد أن يستغفر ربه يجد الله تواباً رحيماً ، ويؤمن بقدرة الله المطلقة ، ورحمته الواسعة . وحينئذ يتذكر تطلعاته المكبوتة ، ويرى ان من الممكن تحقيقها بفضل الله وبفضل رحمته الواسعة ، فلماذا لايطلبها ولماذا لا يطلب من الله الذي قبل توبته ، وأصلح ما أفسده ، وبدل سيئاته حسنات ، لماذا لا يطلب
من هذا الرب الغفور الرحيم هذا الرب الغني القادر لماذا لا يطلب المزيد ؟ فيطلب ويعطى .
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 180
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٠