أن يسير عبر الحقائق الواقعية حتى يصل إلى الشاطئ الآخر ، إلى معرفة الله سبحانه وتعالى . فكأن الإنسان المؤمن في هذه الحالة يتخذ من الكون وما فيه من دقة في التنظيم وروعة في الجمال وعظمة في الخلق يتحرك من خلالها إلى معرفة صفات الله ، صفة الجمال ، صفة القدرة ، صفة العظمة ، صفة الرحمة ، صفة الحكمة ، صفة اللطف . . إلى آخر الأسماء الحسنى . .
الأسلوب القرآني إذن ؛ هو ان يتحرك البشر عبر الواقع إلى الحقيقة ، ووراء هذا الواقع تلك الحقيقة وهي معرفة الله سبحانه وتعالى ، هذا هو الأسلوب القرآني .
أما الأسلوب الآخر ؛ فهو أسلوب ذهني افتراضي ، أن تجلس وتفكر أن لكل مسبب سبب ، ولكل معلول علة . فإذا هذا الكون معلولًا ، فلابد أن تكون له علة . الكون مسبب ، فلابد أن يكون له سبب . يتخذ من هذه الالفاظ درجات يصعد عليها إلى أن يصل إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى .
وهذا الأسلوب الذهني لا نرى له أثراً في القرآن . كم تجدون في القرآن الحكيم من كلمات السبب والمسبب ، العلة والمعلول ، اجتماع الضدين محال ، اجتماع النقيضين محال ، هذه الكلمات المتداولة في الفلسفة ، سواء القديمة منها والحديثة ؟ لا أقول إن هذه الكلمات غير صحيحة ، أو إنها لا تصل إلى الإيمان بالله في بعض الأوقات ، وإنما أقول : الأسلوب القرآني ليس هذا الأسلوب ، بل إنه يتحدث حول الكون وما في الكون من آيات الله العظمى ، افتح ما شئت من صفحات القرآن ، تجد هذا الأسلوب .
أولًا : إن إبراهيم قد تحرك عبر ملكوت السماوات والأرض ، حتى أصبح مؤمناً بالله ، فعن طريق النظر في آيات الله في الليل
الفكر الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 6
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٦