الغيبية . وتجعل الدين هو الحاكم المطلق في تلك الحقائق ، ومن هنا جاء في الحديث : أصل ديني العقل . . وخلافاً أيضاً للحسيين والتجريبيين الذين حددوا العقل بحدود المادة المحسوسة . . إذ ليست الأحكام العقلية حسب هذه الرؤية نابعة من مقتضيات التجربة الخاصة أو الحس المادي حتى تختص بالعالم المحسوس . بل إنها نابعة من النور الذي يجد الإنسان كل شيء به . حتى أن التجربة ذاتها والحس نفسه لن يفيدان شيئاً دون وجود ذلك النور حسبما يأتي تفصيل القول فيه بإذن الله :
1 - إن للعقل أحكاماً سابقة لم تجرب تكون مقياساً للإنسان في معرفة الفكر الصحيح .
2 - وبالرغم من أن هذه الأحكام لم تلد مع الإنسان ، فإنها أيضاً ليست وليدة تطور ذاتي له أو مؤثرات مادية فيه ، بل هي موهبة له في فترة البلوغ .
3 - وإن الأحكام ليست ذات العقل ، بل العقل هو الذي يكتشف تلك الأحكام للذات ، وقد نتج من الجهل بهذه الحقيقة أن أخذ ( كانت ) و ( ديكارت ) وكثيرون آخرون ، أخذوا ينقدون الأفكار النفسية ظناً منهم أنهم ينقدون العقل ، وقد كانوا محتاجين إلى نور العقل في كل خطوة خطوة من نقدهم هذا ، ولذا فإن نقدهم لتلك الأفكار كان اعترافاً منهم بصحة العقل .
4 - إن للأحكام العقلية أربع ميزات . إنها جازمة لا ريب فيها . وشاملة لا تقييد فيها . وواحدة عند كل عاقل . . وثابتة لا تطور فيها .
وسنرى بإذن الله كيف تكوّن هذه الخصائص بعض القيم التي تستند إليها النفس في نقد أفكارها .
الفكر الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 18
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨