تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
3 / وفي مرحلة ثالثة ، خلقنا الله من طين ، ومعروف أنه خليط من ماء وتراب ، فقال الله سبحانه : ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ ) ( ص / 71 ) وإذا كان الطين أصلنا جميعاً ؛ فهل يجوز أن نتفاخر على بعضنا ، وبماذا ؟ وكيف يجوز أن يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ؟ 4 / وقد تصلصل الطين في مرحلة أخرى ، فقال ربنا سبحانه : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ ) ( الحجر / 28 ) إن هذه الآيات التي تبين أصل البشر الواحد ، توحي إلينا فيما توحيه من حقائق وبصائر ، أنه لا يجوز أن نغلو في أحد ونرفعه إلى مستوى ادعاء الإلوهية ، ولا يجوز لنا أن نغلو بالسلاطين لنجعل منهم أنصاف آلهة ، أو أن نتعصب لأنفسنا أو لغيرنا بما يعود إلى عنصرنا أو دمنا أو ما أشبه . 5 / والنفس البشرية التي خلقت من ضعف ، وكانت ظلوماً جهولًا ، تتسرّع إلى الشرك ، والذي منه الغلو في العظماء من البشر ، وبالذات رسل الله الذين تتجلى فيهم الفضائل وتظهر على أيديهم الكرامات . ودرءً لهذا الخطر تتابعت تأكيدات الوحي على أن الرسل ما هم إلّا بشر ، فقال الله سبحانه : ( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ( إبراهيم / 11 ) وهذا التأكيد الذي نجده جزءً من دعوة الرسل ، لدليل صدق على أنهم لا يبتغون لأنفسهم كسباً ، أو يستكبرون حاشا لله على الناس ، كما هو شأن السلاطين والطغاة . 6 / وذكر ربنا سبحانه ما قاله النبي صلى الله عليه وآله عن نفسه ، وذلك في قوله : ( قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) ( الكهف / 110 ) ، وقوله سبحانه : ( أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) شاهد صدق على دعواهم ، لأنهم لا يدعون الناس إلى أنفسهم ، بل إلى ربهم سبحانه . وقد استفادت النصوص الدينية من هذه البصيرة ؛ المساواة بين أبناء البشر ، حين جاء في حديث شريف المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : " الناس ولد آدم وآدم من تراب " . « 1 » وفي أشعار منسوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام جاء :
الناس من جهة التمثال اكفاء * أبوهم آدم والأم حواء .
هامش
( 1 ) ميزان الحكمة ، ج 9 ، ص 352 ، ح 19257 .