وحدة البشر في أصل الخلقة
تقتلع البصيرة القرآنية جذور الشرك من النفس البشرية الضعيفة والجاهلة ، والتي قد ترى في القوة أو الثروة أو الجمال أو العلم وسائر الفضائل دليلًا على تمايز حقيقي بين إنسان وآخر .
كلا ؛ إن البشر قد خلقوا جميعاً من الماء ؛ من تراب ؛ من صلصال ؛ من حمأً مسنون ؛ من نفس واحدة ، وجعل منها زوجها من ذكر وأنثى . وحتى قادة البشر الأنبياء عليهم السلام ، إنما هم بشر وإن ما يفضلهم الوحي .
إن هذه البصيرة التي تمهد السبيل إلى عولمة القيم المثلى ، وتكرّس حقوق البشر بأمثل ما تصبوا اليه المبادئ الأخلاقية ، إنها ركيزة أساسية من ركائز التشريعات الاسلامية .
تعال نتدبر في بعض آيات القرآن الكريم التي تهدي إلى هذه البصيرة الفذة :
1 / كما خلق الله الأحياء جميعاً من الماء ، خلق الانسان من الماء ثم أسكنه الأصلاب والأرحام ، لكي تتواصل وشائج القربى ووسائل التعارف والتعاون ، فقال الله سبحانه : ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً ) ( الفرقان / 54 ) .
وهكذا انتظمت الصلة بين الأقارب بالنسب حيناً ( الأب والأم والأخت ، وهكذا . . ) ، وبالسبب حيناً ( الزوج والزوجة والصهر ، وهكذا . . ) .
والماء واحد ، والبشر واحد في الأصل ، وإنما الاختلاف في الصور الخارجية .
2 / وفي مرحلة ثانية ، خلق الله البشر من تراب ، فقال سبحانه : ( وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ) ( الروم / 20 )
كيف خلق الله البشر من تراب ؟ هل خلق أبينا آدم منه ثم جعلنا من نسله ، أم إنه خلق كل البشر في صورة ذر ثم أودعها الأصلاب والأرحام ، أم ماذا . ؟
أنى كانت فان الحقيقة الظاهرة إن الناس جميعاً قد خلقوا من تراب ، فلا تمايز عنصري بينهم .