ولنا أن نناقش في هذا الدليل ، ونقول : إن المال الذي يأخذه الأجير يزيده عزماً ، كما لو نذر المؤمن أن يعمل عملًا هو بالأصل واجب عليه فيزداد بالنذر عزماً ، وكما لو أمر ولي المسلمين فرداً بإقامة الصلاة ، فإنه يزيده بذلك عزماً .
ثم نناقش في أن هذا من نوع الإجارة ، بل هو مساعدة لأداء الواجب . ولأن الواجب في هذا النوع كفائي فمبادرة شخص بأدائه بحاجة إلى مزيد من عزم ، وبالمال يزداد المبادر عزماً . كما إذا جعلت الدولة الاسلامية مكافأة للمجاهدين ، فإن ذلك لا يعتبر شراءً لجهادهم ، وإنما تشجيعاً لهم بالمبادرة من بين سائر المؤمنين . ولذلك يجوز ، بل قد يجب تجهيز الغزاة من قبل سائر المسلمين . وهكذا لو قدم المسلمون مكافأة لفئة منهم يتفرغون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو للقيام بتجهيز الأموات ، أو إدارة أمور المساجد وإقامة صلاة الجماعة فيها وما أشبه .
وبتعبير دقيق ؛ المال الذي يعطى للمطوعين بالواجبات الكفائية ، إنما هو لكي يتعين فيهم الوجوب ويسقط عن غيرهم بعد قيامهم به .
وبذلك نقول : إن أخذ الأجرة على الواجبات التي ترتبط بنظام الأمة ، جائز للمبادرة إليها ، أما أخذ الأجرة لفعلها فإنها مخالفة للاحتياط ، والله العالم .
جيم : تفسير الإجارات
وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : وأما تفسير الإجارات ؛ فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك أو يلي أمره من قرابته أو دابته أو ثوبه بوجه الحلال من جهة الإجارات ، أو يوجر نفسه أو
داره أو أرضه أو شيئاً يملكه فيما ينتفع به من وجوه المنافع أو العمل بنفسه وولده ومملوكه وأجيره ، من غير أن يكون وكيلًا للوالي أو والياً للوالي ، فلا بأس أن يكون أجيراً يوجر نفسه أو ولده أو قرابته أو ملكه أو وكيله في إجارته ، لأنهم وكلاء الأجير ومن عنده ، ليس هم بولاة الوالي نظير الحمال الذي يحمل شيئاً بشيء معلوم ، فيجعل ذلك الشيء الذي يجوز له حمله بنفسه أو بملكه أو دابته أو يوجر نفسه في عمل يعمل ذلك بنفسه أو بمملوكه أو قرابته أو بأجير من قبله . فهذه وجوه من وجوه الإجارات حلال لمن كان من الناس ملكاً أو سوقة أو كافراً أو مؤمناً ، فحلال إجارته ، وحلال كسبه من هذه الوجوه .
فأما وجوه الحرام من وجوه الإجارة ؛ نظير أن يواجر نفسه على حمل ما يحرم أكله أو شربه ، أو يواجر نفسه في صنعة ذلك الشيء أو حفظه ، أو يواجر نفسه في هدم المساجد ضراراً ، أو قتل