تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
العقد تراضي المتعاقدين ، ولأن رضاهما ينطلق من عرفهما ، فهو مقدم . وكلما كان العرف أقرب إليها كان أولى عندهما ؛ مثلًا إذا كان كيل السوق الذي يتعامل فيها المتعاقدان يختلف عن كيل البلد أو ميزان البلد يختلف عن ميزان الدولة ، فإن كيل السوق أو البلد مقدمان ، وهكذا في النقد وفي شرائط البيع ، وصفات المبيع وما أشبه . . 5 / لأن المعيار هو التراضي ، والرضا أمر قلبي ، فان معيار العقد هو الرضا الواقعي ، وليس ما يجري على اللسان . فإذا اختلف فقال بلسانه شيئاً وقصد بقلبه شيئاً آخر ( بالخطأ ) ، فإن الرضا القلبي إذا عرف يقيناً هو الأصل ، لأن التراضي وقع عليه . وفي هذا الحقل تختلف المدارس القانونية إلى ثلاثة ؛ فالمدرسة اللاتينية أو الفرنسية تأخذ بالإرادة الحقيقية أو الباطنية ولا تعول على التعبير ، أما المدرسة الألمانية فتقف عند المظهر الخارجي فقط فتعتد بالإرادة الظاهرة ، وذلك لأن العقد عندها - ظاهرة اجتماعية ولا بد من حمايتها من التزلزل . أما القانون المصري فإنه يتوسط بين المدرستين ، فهو يأخذ بالإرادة المعلنة وهي أساساً الإرادة الباطنة بالقدر الذي تكون فيه قد أعلنت للناس . « 1 » ويبدو أن الصحيح هو الأخذ في مقام الثبوت بالإرادة الباطنة ، وفي مقام الاثبات بالإرادة الظاهرة . وهذا ما بيّناه في كتابنا الفقه الاسلامي . « 2 » ومن هنا قال العلامة النجفي في الجواهر تعليقاً على كلام بعضهم في تقديم عرف الشرع على عرف المتعاقدين ، قال : وهو من غرائب الكلام إذا أراد تقديم العرف الشرعي على العرف الخاص للمتعاقدين ، ضرورة تبعية عقدهما لقصدهما . « 3 » ويبدو أنه أشار بهذا التعبير - إلى الكلمة المعروفة عند الفقهاء " العقود تابعة للقصود " ويساويها الكلمة المعروفة عند فقهاء القانون : العقد شريعة المتعاقدين . 6 / ومن مصاديق هذا المعيار ( معيار التراضي ) حكم الاشتباه في التطبيق . فمن أقدم على نكاح فتاة حسب أحكام الشرع ورأي العرف العام وكان جاهلًا بالشرع والعرف ، فصرّح بشرط زعم أنه من العرف أو الشرع ، فإن الصحيح رضاه الواقعي الذي بنى عليه عقده ، وهو
هامش
( 1 ) مبادئ القانون للمؤلفين د . همام محمد محمود ود . محمد حسين منصور ، الناشر : منشأة المعارف ، ص 240 . ( 2 ) الفقه الاسلامي للمؤلف ، الناشر دار المدرسي ، ص 186 . ( 3 ) جواهر الكلام ، ج 4 ، ص 130 ( الطبعة الحجرية ) .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 164 | السيد محمد تقي المدرسي