وهكذا نستوحي من هذه البصائر ؛ أن السلام مثل أعلى للحياة ، والطوبى التي يسعى إليها المؤمنون ويدعون ربهم لتحقيقها . وهي كلمة عليا ، وصبغة البركة والرقي ، والكرامة والطيب . . وهذه الكلمة المثلى تتصل بكلمة الأمن الذي من دونه لن يتحقق السلام ، وبقيمة الحق الذي ينظم علاقات البشر ببعضهم وبسائر ما خلق الله . .
ولا سلام ، ولا أمن ، ولا حق من دون العدل ( وهو إيتاء الحق لأهله ) . فالعدل إذاً غاية مثلي للحياة الطوبى .
ومن السلام والأمن والحق والعدل ، احترام النفس البشرية ( ألا تزهق بغير حق ) .
ولابد لحرمة النفس من حصن يحافظ عليها ، ومن أنظمة تحيط بها وتوفر لها الأمن ( القصاص ) ، ومن إحساس بالمسؤولية ( الحفظ ) .
وإذا توفر الأمن ، فلابد من توفُّر وسائل الحياة من رزق كريم ( الطعام والشراب ) ، ومن سكن مناسب ، ومن صحة وتعليم .
وفي حدود المدنية المؤمنة يتعاون الناس بعضهم مع بعض ، في أطر حضارية وأخرى فطرية . ففي الإطار الحضاري تجد التلاحم بين المؤمنين ، حتى وكأنهم أعضاء جسد واحد . وأما في الإطار الفطري ، فإن الأسرة هي المؤسسة الأولى التي تشد الآصرة الطبيعية التي يباركها الشرع وينظمها . ومن الأسرة البنين ، وتتوسع هذه العلاقة إلى أن تشمل الأسرة الكبيرة ضمن قيمة صلة الرحم .
وهكذا تتماوج كلمات النور من ينبوع السلام والحق والعدل ، فتترامى حتى تضيء رحاب المدنية المؤمنة ، والمدينة المثلى . وفيما يلي نستعرض هذه الكلمات واحدة واحدة ، بالنظر إلى ترابطها واتصالها ببعضها ، لنرى كيف أنها تشكل معاً روح التشريع الاسلامي التي لو تبصرها الفقيه حقاً تيسر له استخراج الأحكام الشرعية ، خصوصاً في القضايا المستجدة ، والله المستعان .
1 / كلمة السلام
السلام صبغة الحق التي تستهوي النفوس ، والسلام هو الهدف الذي تنشده الأفئدة ، بينما كلمة الحق هي روح السلام وحقيقته .
2 / كلمة الحق ( الحكم بالحق )
الحق هو الهدف الأسمى ، وهو محور الايمان . فمن أسلم نفسه للدين آمن بالحق ( أنى كان ، وفيم تمثل ) . والحكم بالحق ، سواء في مستوى التشريع أو على صعيد القضاء ، هو هدف رسالات الله .