بمعجزين ، والله يعفو عن كثير من الذنوب . ولكن الذي يصيبنا من المصائب ، فبما كسبت أيدينا ، لأن الحافظ هو الله سبحانه . فإذا غيّرنا ما بأنفسنا ( من الاستقامة ) ، غير الله ما علينا ( من نعم ) ، ولا مردّ من قضائه .
وكل انسان يلزم طائره ( الذي يكتب فيه ما فعل ) ، وغداً ينشر أمامه ليحاسب نفسه بنفسه . فإن اهتدى فقد اهتدى لنفسه ، وإن ضل فعليها . وهكذا يوقف المجرمون يوم القيامة ليسألوا ، وكل إنسان يحمل ما كسبته يداه ، وهو رهين عمله يجازى غداً به ؛ إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر . وهكذا ليس للإنسان إلّا ما سعى ، وأنه لا تزر نفس حمل غيرها ، لأنها قد حُمّلت ما يكفيها من المسؤولية .
وهكذا لا يجوز ترامي المسؤولية . فلا يؤخذ منها أي عدل ، ولا ينفعها أي شفيع ، ولا أي ولي من دون الله سبحانه ، ولا واقي للانسان من الله . وكل الأماني التي يخدع الانسان بها نفسه للتهرب من المسؤولية ، انما هي خداع ذاتي . فمن يعمل سوءً يجز به ، ولا أحد ينصره من دون الله أو يدافع عنه .
وتتجلى المسؤولية المباشرة أمام رب العزة عند الشدّة . فكيف إذا مسك الضر دعوت ربك وحدك ، ونسيت النعم التي علقت عليها الأماني . فما أغنت عن أبي لهب ثروته ، ولا أغنت حضارة السابقين عنهم شيئاً ، حينما جاءهم أمر الله ( فدمروا تدميراً ) ، ولا أغنت عنهم آلهتهم التي علقوا عليها الآمال .
والانسان مسؤول عن معرفته ، ألّا يخطو خطوة بغير علم ، لأن السمع والبصر والفؤاد ( وهي وسائل المعرفة ) كل أولئك كان عنه مسؤولًا . وهكذا لا يجوز أن يقول عن الله ما ليس له به علم ، فإنه من الافتراء على الله ؛ بل البشر مسؤول عن وساوس نفسه وظنونه ، وقد قال سبحانه : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( البقرة / 284 ) .
وهكذا الآلهة التي يعلق البشر عليها الآمال ، إنها تتلاشى في يوم الجزاء ، ولا تغني عنه شيئاً ، ولا يغني مولى عن مولى شيئاً ، ولا هم ينصرون .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 195
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٩٥