وهكذا كانت الحكمة الجانب السلوكي لسنن الله ، أو بتعبير أفضل ؛ وعي سنن الله في الحياة العملية .
وأحكام الشريعة إن هي إلا حدود للحكمة البالغة التي أمر بها الله في القرآن .
وهكذا كان أول العلم معرفة الله ، وكلما ازدادت المعرفة بالله ازداد الإنسان فقهاً وعلماً . فالفقه ميراث معرفة أسماء الله ، وسننه وحكمته ؛ وكذلك كانت الصلة بالله سبحانه ، المدخل إلى سائر القيم السامية ، والأهداف الرفيعة للأحكام الشرعية .
وإذا كانت العبادات فاتحة أبواب الفقه ، فإن العلاقة بين العبد وربه العظيم هي روح العبادات ؛ فهي الصلاة ، وهي هدف الصيام وغاية الحج ، ومن أعظم حكم الزكاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتولي والتبري .
فالبحث عن حقائق الإيمان بالله ، وأبعاد التقوى منه ، وآفاق الحق ومحوريته للإيمان ، ومعاني الطاعة لله وعبادته ، وذكر الله والصلاة والدعاء والسجود والقنوت ، وسبل الاستعانة بالله ( من الاعتصام بالله والتوكل عليه ، والاستعاذة به ، وطلب رضوانه ) ، وآفاق التقرب إليه ( مثل ذكره وشكره والإنابة إليه والاستغفار ) وبالتالي لقاء الله سبحانه . .
أقول : البحث عن هذه الآفاق ، يعتبر فاتحة البحوث في قيم إيمانية أخرى ، مثل سبل الهداية ووسائل الفلاح ، أو مثل عوامل الضلال وأسباب الشقاء ، والتي سنتحدث عنها فيما بعد إن شاء الله .
عن الإيمان ؛ حقائقه وعلائمه
ما هو المنهج السليم لمعرفة الإيمان ، ولمعرفة تلك الحقائق الكبرى التي نتعايشها وقليلًا ما نحيط بها علماً ، مثل العلم ، العقل ، الروح ، الوجود ؟
الإجابة واحدة فيها جميعاً ، وهي : معرفتها بعلاماتها ، بآثارها في الواقع ، ذلك لأن الكلمات قد تحجبنا عن هذه الحقائق وتجعلنا نتخيل مفاهيم ، ثم نزعم أنها هي تلك الحقائق .
فإذا عرفنا آثار الإيمان ثم تتبعنا تلك الآثار على أرض الواقع ، وراجعنا الأمثلة الواقعية للإيمان ، ورجعنا إلى أنفسنا وما يختلج في صدورنا من حقائق الإيمان ، وهكذا إذا فعلنا ذلك المرة بعد الأخرى ، فإننا نبلغ معاني الإيمان وبعض حقائقه .