ويتصل تسخير الطبيعة ( التقدم ) بالجانب الاجتماعي من حياة البشر . فمنذ أن كان ثمة علاقة بين انسان وآخر ، كان أحد أهم الروابط بينهما المصلحة المشتركة . ولكن المصلحة المشتركة قد لا تكون في تسخير الطبيعة ، بل في توفير الأمن أو الحرية أو أي شيء آخر . من هنا أفرد بعضهم لها عنواناً مستقلًا واعتبروها قيمة بالرغم من تداخلها مع قيمة ( التقدم ) تسخير الطبيعة .
د / المصلحة المشتركة
وقد اعتبر البعض المصلحة العامة القيمة الأسمى ، التي تجمع المصلحة الفردية والمصلحة الاجتماعية ، وبالتالي اعتبر أفضل حلّ لمعضلة ( الفرد أولًا ، أو المجتمع أولًا ) .
وقد كانت فكرة الخير موجودة منذ عصر أقدم الفلاسفة ، حيث أشار إليها ( أرسطو ) ، واعتبرها العلة الغائية للحياة ، وأشاد بها القديس ( توما الاكويني ) ، وهي قريبة من المذهب التاريخي ، بل والمذهب الطبيعي ، بالرغم من عدم استثمارها من قبل رجال القانون بصورة كافية « 1 » .
ولا ريب أن القرآن الكريم الذي يعتبر المصدر الوحيد للتشريع ( بالإضافة إلى تفسيره من قبل السنّة الشريفة ) قد ذكر بالخير ، قال الله تعالى : ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا « 2 » .
ولكي تتوضحأكثر فأكثر المصلحة العامة ، وتتبلور رؤيتنا تجاهها ينبغي أن ندرسها عبر نقاط :
أولا : الحق بين الموضوعية والذاتية .
هل الحق حق لأنه حق عند الله سبحانه ، وفي سنن الله التي قدرها في خلقه ويجريها بقوته وقدرته سبحانه ، أم أن الحق حق لأن الناس يعتبرونه حقاً أو لأن إرادة المشرع ( القانون ) يعتبره كذلك ؟
في بحوث سبقت قلنا إن الحق ظاهرة موضوعية ، ولا تتصل بالذات البشرية . من هنا لا فرق بين أن نقول أن السماء والأرض والجبال والأحياء حق ، وبين أن نقول إن حاجة الإنسان إلى الطعام والسكن والجنس والحرية حق . وهكذا يكون لكل فرد فرد حق خاص به ، ولكن حين تجتمع جملة حقوق لأبناء المجتمع تصبح موضوعاً للقانون ، لأنه ينظمها على أسس واضحة . وهكذا كانت حقوق الأفراد الطبيعية جزء من وجوداتهم ، وامتداداً للاعتراف بهم ( وهي كلها
هامش
( 1 ) - راجع فلسفة القانون ، ص 99 ؛ وكذلك فلسفة حقوق ، ص 419 .
( 2 ) - النساء / 59 .