تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
ثم إن هذه المدرسة ترى أهمية المصالح ، ولكن دون أن تحدد ما هِي المعايير التي نوزن بها قيمة المصالح ونفضِّل بعضها على بعض . أضف إلى ذلك أن هذه المدرسة تجعل الأخلاق العليا غير مبررة ، وبالتالي تعيد البشرية إلى الجاهلية .

5 / المدرسة الديكتاتورية

بالرغم من أن المدرسة الإرادية التي جعلت القانون تابعاً لمشيئة الحكام وأهوائهم ، هذه المدرسة كانت منذ القدم ، إلا أن فلسفة هيجل ( 1770 / 1831 ) كانت أعتى سند لهذه المدرسة ، وتبدأ هذه الفلسفة من التفريق بين الحرية واتباع الأهواء الفردية . وهكذا يفسر الحرية بالنظام ، لأنها لا تتحقق إلا بالدولة ، ويزعم أنه لا يمكن التفريق بأية صورة ، بين القانون والدولة ، وبين السياسة والأخلاق ، ومن هنا يمكن للحكومة أن تفدي الفرد لمصلحة المجموع « 1 » . أما الفكرة العامة في نظرية هيجل - حسبما أرى - فهي بلورة روح الأمة ، حيث يعتقد أن الحياة حركة تكاملية نحو الروّح المطلق ، وأن كل أمّة تتفق حركتها مع تلك الحركة التكاملية العليا فإنها تتقدم وتتعالى على سائر الأمم ، وحين تضعف حركة هذه الأمة تترك القيادة لغيرها . والصراع القائم بين الأمم ، ضرورة لتقدم تلك الروح العالمية ، وانتصار أمّة على أخرى هو - في رأي هيجل - انتصار الحق على الباطل ، ولأن الواقع هو الحق فإن النتيجة التي تترتّب على نظرياته هي أن القوة هي الحق . وبما أن ( هيجل ) كان يرى أن الألمان هم الأمّة القريبة من الروح المطلقة ، وأن الدولة فيها هي كل شيء ، وأن قوّتها هي الحق ، فان نظرية هيجل وجدت أوضح تطبيق لها في النازية العسكرية ، وهذا يعتبر أكبر فضيحة لنظريته . ونظرية الديكتاتورية الهيجيلية تجسدت أيضاً في سائر المذاهب الشيوعية وتطبيقاتها الفاضحة ، وتبعتها الفاشية والنازية والمدرسة الخالصة التي تمجد جميعاً وحدة القانون والدولة ، وهي عموماً نظرية خاطئة تماماً وللأسباب التالية : أولًا : لأنها تجعل للدولة الحق في وضع القانون إحتياطاً . وثانياً : لا تهتم بالعوامل المؤثرة في وضع القانون . وثالثاً : تسن القانون بعيداً عن البيئة الاجتماعية ومتغيراتها . ورابعاً : تتنكر للقانون الفطري .
هامش
( 1 ) 1 - فلسفة القانون ، ص 141 .