( الثاني ) ان الله تعالى أحل من المشروبات ما ليس بمسكر كالماء واللبن والعسل وأشباهها ، وحرم الخمر من المشروبات لما فيها من إزالة العقل الموقع للعدواة والبغضاء . والصد عن ذكر الله وعن الصلاة . فوقع فيما بين الأصلين ما ليس بمسكر حقيقة ، ولكنه يوشك ان يسكر ، هو نبيذ الدباء والمزفت والنقير وغيرها فنهى عنها الحاقا لها بالمسكرات تحقيقا ، سدا للذريعة ، ثم رجع إلى تحقيق الامر في أن الأصل الإباحة كالماء والعسل ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( كنت « 1 » نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا وكل مسكر حرام « 2 » ) وبقى في قليل العسكر على الأصل من التحريم ، فبين أن ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) وكذلك نهى عن الخليطين للمعنى الذي نهى من اجله عن الانتباذ في الدباء والمزفت وغيرهما . فهذا ونحوه دائر في المعنى بين الأصلين ، فكان البيان من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يعين ما دار بينها إلى أي جهة يضاف من الأصلين .
كذلك قال الشاطبي : وعلى افتراض من القول بأن النبيذ ليس بمسكر وبالتالي انه حلال ، يجوز لنا ان نقول : ان المراد من الخمر في النص لالقرآنى كل مسكرولو بقرينة علة تحريمها ، فيكون الحاق النبيذ بها ( باعتباره مسكرا ) أو أي مسكر اخر من باب رد الفرغ إلى الأصل .
وأضاف الشاطبي مثلا ثالثا فقال :
و ( الثالث ) ان الله أباح من صيد الجارح المعلم ما امسك عليك ، وعلم من ذلك ان ما لم يكن معلما فصيده حرام ، إذ لم يمسك الإ على نفسه ، فدار بين الأصلين ما كان معلما ولكنه اكل من صيده . فالتعليم يقتضي انه امسك عليك والاكل يقتضى انه اصطاد لنفسه لا لك ،
فتعارض الأصلان ، فجاءت السنة ببيان ذلك ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : ( فان اكل فلا تأكل ، فاني أخاف ان يكون انما امسكه على
هامش
( 1 ) - تحريم الانتباذ في هذه الأوعية سد للذريعة ، وفطام لهم عن المسكر واوعيته إذ كانوا حديثي عهد بشر به فلما استقر تحريمه عندهم واطمأنت اليه نفوسهم وشكوا من ضيق الامر عليهم بمنع هذه الأواني التي لا مندوحة لهم عنها أباح لهم الأوعية كلها غير ( شرط ) الا يشربوا مسكرا ، فقد رجح جانب التحريم حيث قام مقتضيه ( فلما زال المقتضى رجح جانب الحل الذي هو الأصل ، وسواء اقلنا ان ذلك بوحي أم باجتهاد ، فالكل بيانه صلى الله عليه وآله - . .
( 2 ) - الحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه وفي التيسير حديث بمعناه عن الخمسة الا البخاري . .