وآيات القرآن تحفل ببيان قصص الرسول في قيادة الناس ، والقائد التابع لوحي الله سبحانه يطبق حقائق الشريعة العامة على القضايا المتجددة ، وهذا التطبيق يلقي ضوء على تلك الحقائق فيزيدها بيانا لأنه يصبح بمثابة الأمثلة عليها ، لقد أنشأ الرسول الأعظم - صلى الله عليه وآله - تجمعا اسلاميا في مكة ، ومجتمعا اسلاميا في المدينة ، لم يلبث ان تحول إلى مدنية شامخة ، وكان ما أنشأه مثلا لما دعا اليه ، وتطبيقا عمليا للرسالة التي بشر بها وكل بعد منه ، وكل فرع من فروعه ، كان تفسيرا للوحي في حدود الزمان والمكان ، ومنهجا لتطبيق القيم السامية ، والأصول العامة على الموارد الفرعية . .
من هنا كان التأويل وسيلة من وسائل تفسير الوحي ، وكان على بعض المسلمين ان ينفروا مع رسول الله في غزواته ، ليتعلموا منه معالم الشريعة ، ويتفقهوا في الدين لان الرسول كان يطبق حقائق الوحي عمليا على الظروف المتغيرة ، مما كان يعلم الناس منهج تطبيق سائر الحقائق على الظروف المختلفة ، وكان مثل ذلك ، مثل الطيبب الذي يتخرج من كلية الطب ، فيجب ان يعمل في مستشفى تحت اشراف طبيب ، ليتعرف كيف يطبق النظريات على الواقع العملي .
من هنا قال الله سبحانه :
( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) . « 1 »
وعند هذه النقطة يلتقي التأويل والتفسير ولكنهما يتميزان في نقطة أخرى ، إذ ان التفسير يجعل الحقيقة العامة واضحة مما يفرض اتباعها .
وكذلك اتباع تفسيرها ، وكذلك التأويل يجعل الحقيقة العامة واضحة ولكن لا يجب اتباعه حرفيا ، لأنه مجرد مثل للحقيقة ، فإذا حارب الرسول بالسيف فإنه يدلنا على ضرورة مقارعة
العدو مباشرة وبلا هوادة تفسيرا لقول الله سبحانه : ( كتب عليكم القتال ) ولكنه لا يدل على ضرورة أن تكون المقارعة بالسيف فقد تكون بالرصاص .
وهذا التطبيق العملي يسمى في اللغة بالفتيا .
فالفتيا هي بيان حكم قضية معينة ، ضمن دائرة الواقع استنادا إلى حقيقة كلية ،
هامش
( 1 ) - سورة التوبة / 122