النوعي ، أو ان شئت قلت : العرفي ، وهو الحجة أيضا في مقام الاحتجاج ، وإذا كان الظهور بحيث لا يورث الاطمئنان العرفي فإنه لا يصلح أيضا للاحتجاج ، كما إذا كانت الالفاظ محفوفة بالقرائن الحالية اوالمقالية أو تعارضها أدلة أخرى .
وهنا نلاحظ على العلامة النائيني انه - قدس سره - جعل حجية الظواهر في بداية كلامه ، العرف وبناء العقلاء . واعترف في نهاية حديثه ان العقلاء يعتمدون فقط على الظواهر المورثة للاطمئنان ، ولكنه تراجع عن ذلك فيما يتصل بالنصوص الشرعية ، لماذا ؟ لأنها جاءت في مقام الاحتجاج ( فهي حجة ) ، وهذا غريب منه ، إذ ليست النصوص واردة في المخاصمات القضائية ، أو الجدل الجتماعي ، انما هدف الفقهاء هو الوصول إلى مراد الشارع بوازع نفسي ، فكيف ندخله في باب المخاصمات .
والله سبحانه لا يحتج علينا الابقدر معرفتنا ، ومعرفتنا قائمة على لسان قومنا الذي تحدث به الشارع ، ويبدولي ان هناك خلطا بين مقامي الثبوت والاثبات في مناهجنا ، واننا نتأثر ابدا بحالات الجدل والمخاصمة ، وكأننا دائما في حلبة صراع ، كما أن هناك خلفية ثقافية تضغط على كتب الأصول باتجاه توفيق مصطلحاتها ، وحتى مناهجها ، وأفكارها مع المنطق الارسطي ، والفلسفة اليونانية ، والعلماء يجدون أنفسهم بين الفكر الاسلامي الخالص ، وبين الفلسفة والمنطق الأرسطي ، ويحاولون التوفيق بينهما ، على غرار ما نجده في علم الكلام وكبار الفقهاء يسعون لاثبات مايعرفونه ببصائر قلوبهم ، وبثقافتهم القرآنية من أفكار ومناهج حديثة ، اثباتها بالأساليب المنطقية التي كانت شائعة في أجوائهم الثقافية ، من هنا تجد - عادة - فصاما بين المقدمات والنتائج ! ولو اعدنا الأمور إلى المنهج القراني الميسور القائم على أساس الفطرة والعقل والعرف العام ، لتخلصنا من تعقيدات كثيرة . مثلا : الحجة بين العباد وبين ربهم ، هي ذات الحجة بين العباد بعضهم ومع بعض ، ومعرفة الحجة بين العباد ليست صعبة ، ولكن الفلسفة اليونانية عرفت القطع بانعدام الاحتمال المضاد ، واعتبره علم الأصول هو العلم المطلوب شرعا ، والذي هو الحجة ، ولذلك ارتبك الوضع كله لان العلم غير القطع ، ثم الحجة ليس القطع ، انما الحجة الاطمئنان النوعي أو قل : العلم العرفي الذي به يحتج العباد على بعضهم ، وقد جاءت رسالات السماء بلسان الناس فيكفي ذلك حجة بين العباد وربهم .
بل يمكن ان نوافق العلامة النائيني على كلامه إذا راد من الثقة والاطمئنان ثقة
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 115
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٥