مثلا : ظواهر الكتاب حجة . والدليل الشرعي على ذلك اننا أمرنا شرعا باتباع القرآن كقوله سبحانه : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها )
( لو اعتبرنا هذا النص نصا صريحا ) ولكن هذا النص لم يؤسس منهجا جديدا في التفاهم ولم ينشئ دليلا مختلفا عن الأدلة العقلائية ، انما امضى الدليل العقلائي في الاخذ بظاهر الكلام ، فلا يفهم منه شيئا مختلفا عما يتعارف عليه العقلاء في محاوراتهم فيكون محدودا بشروطهم ، مثلا العقلاء يرون ان حجية الظاهر مخصوصة بما إذا كان المتحدث ملتفتا وكان في مقام البيان ، ولم يترك قرينة مخالفة وما أشبه فهل نفهم من هذا الدليل الشرعي أكثر مما يتعارف عليه العقلاء ، لو كان كذلك لكان الامر بحاجة إلى مزيد من البيان وهذا معدوم ، بل مجرد وجود الاحتمال في حدود الحجية فيما يتصل بالشروط اللبية يكفي دليلا على عدمه ، لان الحجة يجب أن تكون في مستوى رفيع يمكن الاحتجاج بها عند الخصومة ، ومع وجود الاحتمال المضاد لايستحسن من الحكيم الاعتماد عليها .
ومن هنا قلنا : ان شرط حجية الامارات اني كانت قوتها ، هي بعث الثقة في النفس عند العقلاء فلو انعدمت هذه الثقة فإنها ليست بحجة . .
وانما نركز ابدا على الثقة العقلائية لان الحالة الفردية ليست معيارا ، أليس الفرد يتعرض لظروف مختلفة من الشك واليقين والحب والبغض ، بينما العقلاء ، إذا اخذوا بصفة عامة معيارا ، تقل نسبة تعرضهم لذلك ، وبما ان نور العقل واحد ، فان ما يعرفه هذا الانسان لابد ان يعرفه كل انسان .
ثم إن كثيرا من الأدلة جاءت لفصل الخصوصات وتحديد المعايير ، ولذلك لابد أن تكون ذات صفة عمومية .
وباختصار : حجية الامارات ليست مطلقة ، وانما ينبغي تقييمها في كل موضوع من موضوعات الفقه ، وكل حكم جزئي من احكامه . وذلك ضمن سلسلة من الملابسات التي تتصل بمحتوى الدليل . وبالقرائن المحيطة ، وبالأدلة الأخرى ، وهذا مانجده عند كبار فقهائنا رضوان الله تعالى عليهم حيث تراهم في الفقه يتركون - كثيرا - القواعد التي اسسوها في علم الأصول ، ويدرسون كل واقعة ضمن تلك السلسلة من الملابسات ، انهم لايقيدون أنفسهم بالقوالب الجاهزة ، انما يطلقون لفكرهم العنان ، ليصل إلى الحقائق من دون حجب أو عقبات .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 113
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٣