الا امضاؤها ، فلا بد وأن يكون المجعول محض صفة الطريقية والمحرزية ، ضرورة أن جعل الأحكام التكليفية في موارد تلك الطرق غير محتمل من العقلاء بالكلية ، بل شأنهم إنما هو إلغاء احتمال الخلاف الموجود في موارد تلك الطرق وجعله كالمعدم ، والمعاملة معها معاملة الطرق العلمية ) « 1 » .
وهكذا نجدهم رضوان الله عليهم - يجعلون الطرق العقلائية أصلا في حجي الامارة ، فما هي الطرق العقلائية وكيف أصبحت حجة ، وإذا عرفنا حجيتها أفلا ينبغي لنا ان نعمدها في كل المجالات وكيف ؟
نعود - للإجابة عن هذه المسألة - إلى البصائر التي سبقت الإشارة إليها ، وابرزها ان حكمة ابتعاث الرسل تتمثل في إثارة عقل الإنسان وتنوير ركائز وجدانه ، وتذكره بما نسي من فطرته لم يكن الشرع بديلا عن العقل ، بل مكملا له .
وكذلك بالنسبة إلى العقلاء وأعرافهم الحميدة ، ومناهجهم الرشيدة ، فلم يأت الشرع لإنكارها ، بل لتزكيتها وتنمية الجوانب الإيجابية فيها . لذلك فإنه أمر بالعرف ، واستشهد بوجدان ذوي الألباب .
ولم نفهم من عقولنا أن مراد الشرع منا أكثر من تحري أوامره ونواهيه بالسبل العرفية التي يجري عليها العقلاء وهكذا نعرف - من وجدان عقولناأن من تحرى عن أحكام دينه بهذه السبل فهو قد أبرأ ذمته ، وأدى واجبه .
فمن سمع من ثقة خبرا ، ولم يكن هناك ما يدعو إلى الريب في كلامه عرفا فلم يعمد به كان عند العقلاء ملموما وغير معذور ، وعكسه صحيح أيضا : فلو عمل بكلامه برئت ذمته ، وقبلت حجته ، وهكذا فإن أدلة الاشتغال أو البراءة ، هي الأخرى محمولة حسب الفهم العرفي أيضا ، وإذا لا دليل على اشتغال ذمة المكلف بأكثر من القدر العرفي فيكفي فيه البراءة بذات الطريقة .
ولما استقرأنا سبل الشرع في إبلاغ أحكامه ، لم نجده يشذ عن تلك السبل العقلائية ، بل أمضاها وأكد عليها في مناسبات شتى فعلمنا من استقرائها جميعا ، علم اليقين بأنه مضى على نهجهم ، وأمضى سننهم ، ولم يبتدع نهجا جديدا ولا ارتدع عن نهج ارتضاه العقلاء في تعاملهم مع بعضهم .
هامش
( 1 ) - المصدر / ص 75 .