تبقى مجرد قوة . فالعزة إذن هي حالة الاستفادة من القوة بما يُفضي إلى حصول النعمة دون تطاول الآخرين على صاحبها ، فكأنّ العزة مظهر تام لحالة الرَّدع الفعَّال تبعاً لتوافر القوة . . أما إذا توافرت القوة دون أن تُستخدم ، ودون أن تُفضي إلى حالة الردع ، فهي تبقى قوةً لا فائدة منها ، بل ولعلها تتحوَّل إلى وبالٍ على ذويها .
والعزة الإلهية قد تجلَّت في سحق فرعون وجنوده الذين طاردوا موسى وقومه ، وإغراقهم في لجة البحر . وكذلك تجلَّت في تدمير قوم نوح بالطوفان . فضلًا عن أنها تتجلَّى في مجمل النواميس الكونية والأرضية .
ومع أن العزة الحقيقية كلها لله تعالى ، فإننا نجده يبعث الأنبياء والرسل عليهم السلام ليهدوا الناس إليه - رغم فسادهم وكفرهم - . حتى إنه تعالى ليُمهل ، ويُمكِّن ، ويصبر . وهذا تجلٍّ لرحمته التي وسعت كل شيء . ولكن ثمة وقتاً لأنْ تعود الكرَّة على الكافرين حين يُولُّون أدبارهم لنداء الحق ، حيث تستنفد الرحمة مهمتها وأدواتها ، لتحلَّ محلها العزَّة ، فينتقم الله تعالى من أعدائه .
والله يقول : لَهُوَ الْعَزيزُ حيث لا يجاريه ولا يدانيه أحد من خلقه بمدلول العزة والقوة . ويقول : الرَّحيمُ لأنه أرحم بمخلوقه من الأم برضيعها ، وقد تجلَّت الرحمة بكل أبعادها في صنع الله . والآيات اللاحقة ستختص في تبيين بعض مديات تجلي العزة والرحمة الإلهية عبر ما تسرده من قصص بعض الأنبياء عليهم السلام ، لا سيما وأن قصص الأنبياء من أَكثر المحطّات أهميةً في تاريخ البشرية .
* * * *
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 46
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٦