الإنسان يفسد الاقتصاد . فلابد من إصلاح الإنسان ليصلح الاقتصاد ، وليس أجدى من التقوى إصلاحاً للإنسان ، والانتهاء من الأزمة تماماً .
وما لم تتوغَّل التقوى إلى صميم الإنسان ، فلن يمكن التعويل على بلوغ ساحل النجاة ومرفأ الخلاص .
أرأيت من يقصد طبيباً لألم في رأسه ، ثم الطبيب يُوصيه بتناول دواء يخص الأسنان ، أو العين ، أو المعدة ، وما أشبه ، لمعرفته بأن ألم رأس المريض عائد إلى خلل في أسنانه ، أو في أي جزء آخر من جسمه ، وأن الرأس سالم في أصله .
ولولا حذق الطبيب وخبرته لكان قد أوصاه بتناول أدوية ظاهرها فيه العلاج للرأس الذي ليس هو أصل الألم ، وهو إذ ذاك ما كان له أن يتخلَّص من ألم رأسه أبداً ، اللهم إلَّا أن تنفعه الأدوية في تسكين ألمه بصورة مؤقَّتة ، بل ولعل هذا التسكين المؤقَّت يتسبَّب له في آلام مضاعفة ، وأمراض هي أشد في خطرها من الألم الأول .
أقول : إن المشكلة الكبرى في الاقتصاد العالمي ؛ هذا الاقتصاد الذي لا يقوم من كبوة حتى يسقط في أكبر منها ، لا تكمن في سيولة نقدية ، ولا ارتفاع أسعار ، أو قلِّة إنتاج مثلًا ، فهذه ليست سوى طفح على السطح ، إنما المشكلة الحقيقية هي كون الإنسان صار يعبد المادّة من دون الله سبحانه ، وليس الاقتصاد بإله حتى يُعزى كل شيءٍ إليه .
والحل الأوحد والأنجع هو أن يعبد الإنسان ربَّ العالمين ، ثم يجعل من الاقتصاد وسيلة يُحسِّن بها عبادته لربّه .
ولعل هذا هو فحوى وصية النبي شعيب ( ع ) لأصحاب الأيكة الذين فسدوا اقتصاديًّا ، حيث نصحهم بتقوى ربِّهم .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 446
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٤٦