أما الثاني : فهو لا يهتم بالتاريخ ، ولا يهمّه المستقبل ، وإنما يُريد - وإرادته مجرَّدة عن العقل والمنطق والإيمان - أن يتناول لقمته الموضوعة بين يديه ، ويُلِّبي غريزته التي تدغدغه في كل حين . وهل رأيت كافراً مهتمًّا بمصدر لقمته ، أو طريقة إرضاء وإشباع غريزته ؟ .
إنه مُتحلِّل من قيم السماء ونداء الفطرة .
والآيات الكريمة في سورة الشعراء تُشير إلى الله تعالى وتُذكّر به ، وهو الذي تجلّى لعباده في كتابه ، ولكن الناس لا يُبصرون في الغالب .
وقصة النبي لوط ( ع ) لم تسردها هذه السورة للاسترسال معها والاستلذاذ بها ، وإنما لنتعرَّف من خلالها على ربِّنا ونزداد إيماناً به ، ولنعرف أن الذي نجَّى لوطاً وأهله هو الله ، وأن الذي دمَّر القوم الفاسقين هو الله أيضاً ، فهو الذي بيده مقاليد الأمور كلها ، ولنعرف إِنَّ في ذلِكَ لآيَةً .
ولكن مشكلة البشر أنهم لا يُولون موضوع الإيمان الحقيقي والصادق والفعَّال الأهمية اللازمة ، أو أنهم لا يُنمُّون هذا الإيمان في ضمائرهم فلا يعيشون معه ، ولا يرون الأشياء والأمور من خلاله وبه ، ولا يتساءلون عن قيمة الحياة الدنيا بلا معرفة بالله تعالى خالقها . فيما المؤمن ، من بين كل أفراد البشر ، يصنع من محيطه كله وسيلة ومعراجاً إلى ربِّه ، بينما الكافر يُحوِّل كل شيءٍ حجاباً بينه وبين ربِّه ؛ فهو يلهو بالأموال ، والأولاد ، والتجارة ، والعلاقات عن ذكر الله . والمؤمنون رجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، شاكرين في خضم ذلك ربِّهم على ما رزقهم ، ووفَّقهم ، وفقَّههم في دينهم .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 438
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٣٨