الإيمان بالحاضر تتبعه مسؤوليات وفرائض لا بد أن تُحمل وتُؤدَّى ، أما الإيمان بالغائب فلا نوع إلزام فيه . كمن يدَّعي الإيمان بالنبي موسى ( ع ) - مثلًا - ثم يجحد بنبوة محمد ( ص ) ، والحال أن كلا النبيين مرسلان من قبل الله الواحد الأحد . فهو إنما يؤمن بموسى لأنه لا يُكلِّفه في الوقت الحاضر بأمور ملزمة ، كما هو الإيمان بالنبي محمد ( ص ) إذ يُكلِّفه بمسؤوليات هذا الدين الجديد . فهذه الازدواجية تُعبِّر عن رغبة في التهرُّب عن الالتزام .
وشأن هذا كشأن من يتعمَّد اختيار مرجع بعيد - جغرافيًّا - فيقلّده ، لخوفه من المرجع الديني القريب أن يُكلّفه بمهام معينة قد يصعب عليه أداؤها . ولذلك ؛ وجدنا فقهاءنا الكرام ، رضوان الله تعالى عليهم ، قد منعوا من تقليد الميت ابتداءً ، ولعل ذلك لكي يقضوا على مثل تلك الرغبة في التهرُّب ، لا سيما وأن المسائل المستحدثة تُحلّ من جانب الفقيه الحي دون الميت ، والأمة - بطبيعة الحال - بحاجة إلى قيادة فيها ، والتي تسمى في الفقه بالحوادث الواقعة .
والقرآن المجيد ، إنما نقرؤه لا على اعتبار أنه كتاب تاريخي بحت ؛ قد أُنزل على أمة خلت ، فخبأ نوره واضمحل دوره ، بل القرآن نتلوه باعتباره خطاب ربٍّ ، حيٍّ ، قيومٍ ، يضيء الدرب لمن يتمسَّك به ويزيده هدى .
ويبدو أن قوم ثمود كانوا قد توغَّلوا في الفساد والطغيان بعد أن كانوا مُطَّلعين على البصائر الإلهية ، ولذلك ؛ فقد جازاهم الله تعالى بمدى غيِّهم وطغيانهم .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 388
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٨٨