تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
سواء حينما اهتموا بعلم التحنيط للموتى ، أو حينما نحتوا من الجبال بيوتاً ، أو حينما شيَّدوا الأبراج العالية . إن الرغبة هذه دليل على وجود فرصة للخلود ، وقلَّما تجد من لا يعترف باليوم الآخر . ولا ريب في أن الناس يتفاوتون في طريقة اعترافهم ، وفي مدى تأثير هذا الاعتراف في مسار حياتهم ، إلَّا أن أصل الاعتراف بذلك أمر مشهود ، حتى إن من آخر التقليعات البشرية ، البحث عن مغالبة الموت ، وإيجاد فرص للحياة تستغرق مئات السنين بعد القضاء على الشيخوخة والهرم . ولكنهم يغفلون عن أن الموت سيف مشهور على رقبة ابن آدم مهما طالت به الحياة ، ولو عاش آلاف السنين ، ومن ورائه حساب وحساب . إن البحث عن الخلود وراءه شعور في الإنسان بأنه يمكنه أن يعيش وأن تكون له حياة أخرى . وهذا الإحساس هو معيار مهم جدًّا في فهم الحقائق . إذ إن من لا يُقرُّ أمر الآخرة وحتمية حدوثها ، تختلُّ لديه الموازين ؛ لأنه يمثل الحجر الأساس في النظام المعرفي للإنسان . فمن ينعدم لديه الإيمان بالآخرة يضيع ، ويضيع معه كل شيء ؛ لأنه يكون كمن يسير في طريق يجهل نهايته ، ويفتقر إلى الهدف الجدير بالسير إليه . فيما الإنسان المؤمن في منأى عن الضياع والانحراف ، نظراً لأنه قد وجد الأجوبة والحلول لكل أسئلته ، حتى إنه قد علم بأن الدنيا - بزخرفها وزبرجها - لا تسوى عند الله سبحانه جناح بعوضة ، فلا مناص من اعتبارها مجرد محطة أريد منها العبور إلى عالم الخلود الحقيقي ، حيث الجزاء الأوفى .