والجدير ذكره : أن من العوامل المؤثِّرة في رسم واقع الإنسان هما عاملي الوراثة والتربية ، فبالعامل الأول يتكرَّس التأثير الجيني باعتباره الوعاء الحامل لصفات الآباء والأمهات التي تنتقل طبيعيًّا إلى أولادهم . وبالعامل الثاني يتكرَّس التأثير التربوي ، حيث يفتح الطفل عينه بعين والديه ، فيحسبهما اللذين يرزقانه ، ومن الطبيعي إذ ذاك أن يُؤمن بهما إيماناً يكاد يكون مطلقاً .
ولعل من الآباء والأمهات مَنْ يستغل الفطرة النقية للطفل في ضخ الأفكار الباطلة إلى قلبه الفارغ .
ولكن مجمل هذه التأثيرات تنقلب من ظاهرة إيجابية إذا سايرت السنن الإلهية ، وهدى العقل ، ونداء الفطرة النقية ، إلى حالة سلبية تتمثَّل في التقليد الأعمى حتى ولو خالفت العقل والوحي .
ومن هنا ، نجد القرآن المجيد قد تناول هذه القضية المصيرية من البُعدَيْن ، فتحدث لنا تارةً عن احترام الوالدين ، وحذَّر أخرى من الشرك عبرهما ، وقال : وَوَصَّيْنَا اْلإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 1 » .
مما يعني أن طاعة الوالدين قد تنتهي إلى عبادتهما أو الشرك عبرهما ، وإنما العلاقة السليمة للتواصل بين الولد ووالديه هي التي تُشيَّد على أساس الإيمان بالله سبحانه وتعالى ، واتِّباع تعاليمه .
وحيث لا يُمكن أن تكون كل أفعال الآباء خطأ ، كذلك ليست كل أفعالهم قابلة للتقليد ، إذ لكل زمان رجاله وتقاليده ، فلا يصح اتخاذها جميعاً مساراً للفعل والإنجاز ، وكذلك فإن المنع من تقليدهم
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت ، آية : 8 .