ورغم هجرتهم معه ، إلَّا أن الله نفى عن أكثرهم صفةَ الإيمان وهم في خضم عبورهم البحر في تلك الهيئة الرهيبة ، حيث القلوب قد بلغت الحناجر ، وحيث ظنوا بموسى كذباً وقالوا بأنهم مُدرَكون ، ولم يُصدِّقوا بأن الله قد أنجاهم أجمعين بقدرته ، كما أغرق فرعون وقومه أجمعين أيضاً ، ولم يتبصَّروا هذه الآية الإلهية العظيمة ، ولم يعتبروا بأصل القصة والمصير الذي آلت إليه ، بما يعني أن توافر الآيات غير كافٍ وغير مجدٍ ما لم يكن قد وفَّر الإنسان في نفسه القدرة على التبصُّر ، وفي عقله نور الاعتبار .
وكما أن قوم موسى ( ع ) لم تكن حقائق نفوسهم قد استوعبها الإيمان ، كذلك يبدو لي أن أكثر الناس لا يؤمنون بهذه القصة وأمثالها . ومع ذلك ، فإن عدم إيمان الناس ليس دليلًا على عدم صحة القصة ، كما أن عدم إيمان مجموعة من الناس - وإن كان أفرادها يمثلون الأكثرية الغالبة - لا يُعدُّ مُبرِّراً لغيرهم - وهم القلة القليلة المتبقية ، بالتمرُّد على إرادة الله سبحانه وتعالى - لكيلا يؤمنوا .
بصائر وأحكام
1 - إنّ توافر الآيات غير كافٍ للإنسان ما لم يكن قد وفَّر في نفسه القدرة على التبصُّر ، وفي عقله نور الاعتبار .
2 - إن عدم إيمان الناس ليس دليلًا على عدم صحة آيات الإيمان ، وإنَّما على كل شخص أن يُبادر إلى الإيمان بعيداً عن مواقف الآخرين .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 180
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٠