تفصيل القول
1 - وَلِيَعْلَمَ الَّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ .
امتدت أيادي التحريف إلى كتب السماء ؛ تارة إلى متونها ، وأخرى إلى تفسيرها وتأويلها ، إذ تعرَّضت حقائق الرسالة للاختطاف من قبل المنافقين . . والسبب في ذلك أن الدنيا دار فتنة وابتلاء ، حيث لا بد أن يُمتحن الناس ؛ شاؤوا أم أبوا ؛ فيسقط الذي في قلبه مرض ، ويتهاوى أولو الشكوك والقسوة . . أما المؤمنون المتسلحون بالعلم ، فيبقون صامدين كما الجبل ، بل ويسمون إلى حيث الحقيقة الربانية والفوز والصلاح .
فكما أن الفتنة كانت سبب سقوط أناس ، كذلك الفتنة كانت السبب في تسامي آخرين ، فازدادوا إيماناً . . وهكذا الناس بعد الامتحان ليسوا كما كانوا قبله ؛ ففريق يتهاوى ، وفريق يزداد سموًّا .
فهي إذاً ؛ المعادلة الصعبة ، إذ القاسية قلوبهم يركسون في الفتنة ، أما الذين أوتوا العلم وعرفوا الحكمة التي رسمها الله سبحانه للحياة ، فلا مجال للشك إلى قلوبهم .
وهذا - في حقيقة الأمر - يتبع نوعين من الإيمان ، فثمة إيمان مستقر يزداد نضوجاً بتوالي الفتن وتغير الظروف ، وثمة إيمان مستودَع سرعان ما يفرط به صاحبه ؛ لأنه رهين ظروف خارجية ، فإذا تغيَّرت فَقَدَ هذا الإيمان .
والإيمان المستقر إيمان راسخ في القلب ، ويطفح على اللسان ، ويتجلَّى في الأركان ، ويعمُّ كل نواحي السلوك ، حتى يستولي على كيان
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 224
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٢٤