ولكن ؛ ما الذي ينتفي بقوله تعالى : إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذيرٌ مُبينٌ ؟
يبدو أن ما ينتفي هو إجبار الإنسان على الإيمان . فلم يجئ الرسول إليه يُهدِّده بحراب يحملها أو قوة تنفيذية مُزوَّد بها ليُنفِّذ بها أوامر الله . . كل ذلك منتفٍ ؛ لأن أساس بعثة الأنبياء قائم على مخاطبة الضمير الإنساني وإحياء الفطرة التي ران عليها الجهل والغفلة ، ومن ثَمَّ إثارة العقل ، ثم توجيهه الوجهة الصحيحة القويمة ، ودفعه - وليس إجباره - إلى استهداف الكمال والتوسُّل بكرامة الحرية والإرادة .
كان ذلك كله لأنه تبارك وتعالى على علم مسبق بأنه لو أكره الإنسان على اختيار الكمال ، مع وجود الغرائز والشهوات في ذاته ، لأصيب بالتهافت والاضمحلال وتلاشي قواه ، إذ لن يكون حينذاك ملكاً مجرداً عن الشهوة تابعاً صرفاً للحق ، ولا حيواناً مجرداً عن العقل مهمته الحفاظ على ذاته وتكميل دورة البقاء . . والنتيجة أنه بالإكراه يتحطم داخليًّا ويتناقض خارجيًّا .
ولكن الإنسان بما هو مزوَّدٌ به من شهوة جامحة وعقل كابح ، إن استغله يتكامل بالحرية والتوجيه .
أما الخطاب الإلهي : قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ فيدل على أن كلام الله غير مخصوص بقوم دون قوم ، أو منطقة دون أخرى ، بل هو خطاب للكل وفي جميع الأحوال ؛ لأن الإنسان بما هو إنسان مُراد بهذا الخطاب ومحكوم بهذه السنة .
ثم قال ربنا سبحانه إِنَّما أَنَا لَكُمْ .
ومعروف أن إِنَّما أداة حصر . أما كلمة أَنَا ، فتعني أن
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 202
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٠٢