يبدو أن السبب يكمن في أن أكثر معارف الإنسان سماعية ، حيث تنتقل إليه تجارب السابقين عبر الكلمات . وما يراه الإنسان بعينه ويستوعبه بتجربته الذاتية جزء بسيط مما يستفيده من تجارب الآخرين .
5 - فَإِنَّها لا تَعْمَى اْلأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي فِي الصُّدُورِ .
فإذا كان هناك قلب يعقل وأُذُن تسمع ، فإن الواقع الإنساني سيكون في غنى عن الحديث عن القدرة على البصر ؛ لأن البصر الحقيقي هو بصيرة القلب الكائن في صدر الإنسان ، وصدر الإنسان أعلاه وأسماه ، والأزمة الكبرى حيث يعمى القلب ، لا حيث تعمى العين المجردة ؛ لأن قيمة المرء في نوع تفكيره واستنتاجه واعتباره المتأتي من سلامة القلب ، لا سيما وأن القلب رمز الحياة الإنسانية ، وحيث لا تفكير سليماً ولا استنتاجاً ولا اعتباراً ، فإنه لاحياة حقيقية بمقدور ابن آدم أن يتميز ويتمتع بها . وكما يموت الإنسان حين يتوقف قلبه ، كذلك هو يموت حين ينعدم فيه التفكير وقدرته على التعقُّل والاعتبار .
* * * بصائر وأحكام
1 - من يريد التعرُّف على تجارب الأمم السالفة عليه أن يثير عقله ويشحذ فطنته . أما إذا لم يُجرِّد نفسه من الأفكار المسبقة فإنه سيمر على الآيات الكريمة دون أن يستفيد منها شيئاً ، بل قد يزداد جهلًا وعمى .
2 - بسبب السير في آثار الأمم السالفة تنمو قابلية الإنسان على التحليل والاعتبار ، ومحل هذه القابلية هو جوهر الإنسان الذي يُعَبَّر عنه بالقلب .
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 192
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٩٢