فهم حين يُمكّنهم الله تبارك وتعالى في الأرض يُطالبهم بتحقيق تعاليمه . والله يُطالبهم بذلك لأنه عرف فيهم تجرُّدهم عن ذواتهم ومصالحهم الشخصية ، واتِّخاذهم السلطة والقوة وسيلة إلى هدف مقدس . . ومثال ذلك ما روي عن عَبْدِ الله بْنِ الْعَبَّاسِ ، إِذْ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ ( ع ) بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ ، فَقَالَ لِي : مَا قِيمَةُ هَذِهِ النَّعْلِ ؟
قُلْتُ : لَا قِيمَةَ لَهَا .
فَقَالَ ( ع ) :
والله لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقًّا أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا
« 1 » .
لأنه ( ع ) كان يعلم - وأراد أن يُعلِّم القادة الذين سيلونه - بأن السلطة التي وصلت إليه وستصل إلى غيره إنما هي مِكْنَةٌ وفّرها الله تعالى له ، وهي بمثابة الأمانة في الرقاب ، والله ناظر أبداً كيف تُحفظ هذه الأمانة وتؤدّي . .
5 - وَلِلّهِ عاقِبَةُ اْلأُمُورِ .
هنا إشارة كما يبدو لي - إلى أن المجتمع المسلم ليس مجتمعاً مثاليًّا كما قد يُفترض ويتوقع المجاهدون والقادة السياسيون ، وإنما هو مجتمع إنساني . . وأنه ليس من الغريب أن تكون لدى أفراد الناس بصورة عامة صفات من الخير وصفات من الشر . . مما يُحتِّم أهمية اتِّساع صدور القادة الرساليين للهناة التي قد يجدونها في هذا المجتمع ، وأن يعرفوا أن الجنة لن تتوفر في الأرض ، وأن الدنيا برمتها لا تعدو أن
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، خطبة رقم 33 .