تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
الَّذِينَ أَذِنَ اللهُ لَهُمْ فِي الْقُرْآنِ بِالْقِتَالِ . فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : أُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا فِي المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ أُحِلَّ لَهُمْ جِهَادُهُمْ بِظُلْمِهِمْ إِيَّاهُمْ وَأُذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ . فَقُلْتُ : هَذِهِ نَزَلَتْ فِي المُهَاجِرِينَ بِظُلْمِ مُشْرِكِي أَهْلِ مَكَّةَ لَهُمْ فِيمَا نَالَهُمْ ، أَوْ فِي قِتَالِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَمَنْ دُونَهُمَا مِنْ مُشْرِكِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ ؟ . فَقَالَ ( ع ) : لَوْ كَانَ إِنَّمَا أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَى قِتَالِ جُمُوعِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ سَبِيلٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوهُمْ غَيْرُهُمْ ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لِإِخْرَاجِهِمْ إِيَّاهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ . وَلَوْ كَانَتِ الْآيَةُ أَنَّمَا عَنَتِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ كَانَتِ الْآيَةُ مُرْتَفِعَةَ الْفَرْضِ عَمَّنْ بَعْدَهُمْ ، إِذْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَالمَظْلُومِينَ أَحَدٌ ، وَكَانَ فَرْضُهَا مَرْفُوعاً عَنِ النَّاسِ بَعْدَهُمْ إِذْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَالمَظْلُومِينَ أَحَدٌ . وَلَيْسَ كَمَا ظَنَنْتَ وَلَا كَمَا ذَكَرْتَ ، وَلَكِنَّ المُهَاجِرِينَ ظُلِمُوا مِنْ وَجْهَيْنِ : ظَلَمَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ بِإِذْنِ الله عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَظَلَمَهُمْ كِسْرَى وَقَيْصَرُ وَمَنْ كَانَ دُونَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ بِمَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا كَانَ المُؤْمِنُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ ، فَقَدْ قَاتَلُوهُمْ بِإِذْنِ الله عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ . وَبِحُجَّةِ هَذِهِ الْآيَةِ يُقَاتِلُ مُؤْمِنُو كُلِّ زَمَانٍ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَامُوا بِمَا وَصَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الشَّرَائِطِ الَّتِي شَرَطَهَا اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ ، وَمَنْ كَانَ قَائِماً بِتِلْكَ الشَّرَائِطِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ مَظْلُومٌ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْجِهَادِ بِذَلِكَ المَعْنَى « 1 » .
هامش
( 1 ) تهذيب الأحكام ، الشيخ الطوسي ، ج 6 ، ص 103 - 132 .