كمعبر للصورة المنعكسة من الوجه العائدة إلى الوجه ايضاً ، ففي الصورة الأولى تكون النظرة ذاتية إلى المرآة نفسها وفي الصورة الثانية تكون النظرة " عبرية " من اجل الوجه المنعكس عليه . ولعل الإنسان في تلك الحالة ينسى وجود شيء آخر غير العين ، التي ترى والوجه الذي يرى ، أي ينسى مؤقتاً وجود المرآة .
كذلك حين يلاحظ الفرد - معلوماته على أنها أشياء قائمة ، يختلف عما إذا لاحظها على أنها منكشفات بالعقل بعد ان كانت غامضات ومنورات بالعلم ، بعد ان كانت مظلمات ، ومتمايزات بنعوت وأسماء ، بعد ان كانت مختلطات في قائمة واحدة ، فالخير الذي لا يرتاب عاقل في حسنه ، كان والشر سواء امام الفرد في لحظة غضبه العارم ، إلا أنه عاد فميزهما عن أحدهما بعدئذ ، والنظر العبوري يهدينا إلى وجود امر ما في الفرد عندما اكتشف الخير بينما لم يكن من قبل .
إن ذلك الأمر الذي افترقت به حالتا الغضب والصحو هو ما نسميه العقل ، وهو الذي يستيقظ كلما عبر الفرد من آياته إليه ! وامتناع النقيض الذي يكتشفه الإنسان بعقله بعد سن الرشد أو التمييز ولم يكن يعرفه قبل ، انه يدل على وجود العقل عند الفرد بعد ان لم يكن ، وهو بذلك وسيلة لمعرفة العقل بذاته .
ه - وهذا المنهج الجديد في معرفة العقل لا يختص بثبوت العقل ، بل يكشف ايضاً لو اتبع مضبوطاً عن صفات العقل . وأسباب زيادته ونقصانه وسبُل بلوغه الحقائق .
بحوث في القرآن الحكيم — صفحة 95
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٥