لماذا البعث ؟
من أهداف النشور بعد الموت تبيان الحق ، وكشف زيف الكفار . وهكذا يكون من حِكَم الإيمان بالآخرة ، الايمان بوجود مقياس ثابت للحق ، يرجع إليه الناس ، فيحكم بينهم فيما اختلفوا . قال الله تعالى : لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ( النحل / 39 ) فلا يستطيع أحد من أن يبدل الحق باطلًا ، ويخدع نفسه بأن الباطل قد أصبح حقاً . كلّا ؛ إن وراءنا يوماً يميز فيه الحق عن الباطل بوضوح كاف .
يحيي ويميت
إن العالم مع ما فيه من تقدم كبير في مجال العلوم المختلفة ، عاجز بأسره أن يضيف إلى الإنسان لحظة واحدة من الحياة ، لأن الحياة بيد الله وحده ، فهو الذي يحيي ويميت . وليس الإنسان وحده الذي يخضع لإرادة الله تعالى ، بل لا تجد ظاهرة في الكون إلّا وهي خاشعة له خاضعة لأمره .
قال الله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( المؤمنون / 80 )
فالليل والنهار يتعاقبان ، ليس فقط في التناوب الزمني ، وإنما أيضاً في القصر والطول . ومن أوتي البصيرة ، والنظر بعين قلبه إلى اتقان تدبير الله في الليل والنهار ، تبصر أيضاً بمعنى الحياة والموت وقدرة الله المهيمنة عليهما .
وإن الإنسان ليهتدي لهذه الحقيقة حينما يستفيد من عقله ، أما حين يعطله بالأسباب المختلفة ، كتقليد الآباء ، فإنه أبعد ما يكون عن استيعاب هذه الحقائق بالرغم من شدة وضوحها وقربها .
أصول العقائد وأحكام التقليد والبلوغ — صفحة 59
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٩