يبحث عن النجاة من شرها ، ويسعى لتجنب أسباب التورط فيها ، وهي أربعة أساسية كما يقر المجرمون أنفسهم : ( عدم كونهم من المصلين ، وعدم إطعامهم المسكين ، وخوضهم مع الخائضين ، والتكذيب بالآخرة ) وماذا يرتجى لمن يوافيه الأجل ، ويلقى ربه على هذا الضلال البعيد والجريمة ؟ ( الآيات : 40 - 47 ) .
ومن يتورط في الذنوب الأربعة الكبيرة التي مر ذكرها فإن مصيره النار لا محالة ، لأنه لا عمل صالح عنده ينجيه من العذاب ، ولن تدركه رحمة من الله وقد بارزه وحاربه ، ولن يشفع له أحد ، ولو استشفع له أحد - جدلا - فلن تنفعه شفاعة أبدا ، لأن الشفاعة تنفع من تكون مسيرته العامة في الحياة مسيرة سليمة ، ثم يرتكب بعض الذنوب والمعاصي . . وليس المجرمون كذلك ( الآية : 48 ) .
وفي خاتمة السورة يستنكر القرآن على المجرمين ( الكفار ومرضى القلوب ) إعراضهم عن تذكرة الله لهم ورحمته المتمثلة في آيات وحيه الهادية ، مع أنهم مستقبلون أمرا عظيما ونارا لا تبقي ولا تذر . . ولا خلاص لهم إلا بالإقبال على التذكرة ، والعمل على ضوء بصائرها وهداها ! ! إنهم حقًّا يشبهون - حيث يعرضون عن آيات الله - قطيع حمر انقضَّ عليه ليث قسورة لا يدرون إلى أين يفرون منه ، وما الحيلة للخلاص . . والحال أن آيات الله على عكس ذلك جاءت لتأخذ بأيديهم إلى ساحل الأمن والرحمة والسعادة ، وأولى بهم أن يستقبلوها كما يستقبل الظمأى والمجدبون غيث السماء . . بَلْ يُريدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ولن يكون ذلك أبدا ، بَلْ لا يَخافُونَ اْلآخِرَةَ وهذا في الحقيقة - أعني الكفر بالآخرة وعدم حضورها في وعي الإنسان - أكبر عامل في الانحراف ، وعدم الاهتمام بالتذكرة والتأثر بها ( الآيات : 49 - 53 ) .
ويرد القرآن على أباطيل المدبرين عنه والمستكبرين على الحق ، الذين قالوا : إِنْ هذا إِلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 ) إِنْ هذا إِلّا قَوْلُ الْبَشَرِ ردًّا موضوعيًّا حاسمًا في آيات ثلاث : ( 54 ، 55 ، 56 ) تبين في الوقت نفسه دور القرآن بأنه التذكرة بالله وبالحق ، وأن الإنسان مكلَّف بالاستجابة لهداه ، ولكنه غير مجبور على ذلك بل مخيَّر ، وإن كان توفيق التذكر والهداية لا يحصل إِلّا أَنْ يَشاءَ اللّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ومعرفة هذه الحقيقة أمر ضروري بالنسبة للإنسان ، لأنها تحيي فيه روح التوكل على الله والتضرع إليه ، وتبعده عن الغرور
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 280
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٠